المسعودي
36
مروج الذهب ومعادن الجوهر
كتاباً في أخلاق العوام يصف فيه أخلاقهم وشيمهم ومخاطباتهم ، وسماه بالمُلهِي ، ولولا أني أكره التطويل والخروج عما قصدنا إليه في هذا الكتاب من الإيجاز لشرحت من نوادر العامة وأخلاقها ، وظرائف أفعالها عجائبَ ، ولذكرت مراتب الناس في أخلاقهم ، وتصرفهم في أحوالهم . فلنرجع الآن إلى أخبار معاوية وسياسته ، وما أوسع الناس من أخلاقه ، وما أفاض عليهم من بره وعطائه ، وشملهم من إحسانه : مما اجتذب به القلوب ، واستدعى به النفوس ، حتى آثروه على الأهل والقرابات . عقيل بن أبي طالب ومعاوية : من ذلك أنه وفد عليه عَقِيلُ ابن أبي طالب منتجعاً وزائراً ، فرحَّبَ به معاوية ، وسرَّ بوروده ، لاختياره إياه على أخيه ، وأوسعه حلماً واحتمالا ، فقال له : يا أبا يزيد ، كيف تركت عليًّا ؟ فقال : تركته على ما يحبُّ الله ورسوله وألفيتك على ما يكره الله ورسوله ، فقال له معاوية : لولا أنك زائر منتجع جنابَنَا لرددت عليك أبا يزيد جواباً تألم منه ، ثم أحَبَّ معاوية أن يقطع كلامه مخافة أن يأتي بشيء يخفضه ، فوثب عن مجلسه ، وأمر له بنزل ، وحمل إليه مالًا عظيماً ، فلما كان من غد جلس وأرسل إليه فأتاه ، فقال له : يا أبا يزيد ، كيف تركت عليًّا أخاك ؟ قال : تركته خيراً لنفسه منك ، وأنت خير لي منه ، فقال له معاوية : أنت والله كما قال الشاعر : وإذا عددت فخار آل محرق فالمجد منهم في بني عَتَّاب فمحل المجد من بني هاشم مَنُوطٌ فيك يا أبا يزيد ما تغيرك الأيام والليالي ، فقيل عقيل : اصبر لحرب أنت جانبها لا بد أن تصلى بحاميها