المسعودي

23

مروج الذهب ومعادن الجوهر

في يوم صائف ، ومن أن أنظر إلى بني وبني بني يدورون حولي فما بقي منك يا عمرو ؟ قال : مال أغرسه فأصيب من ثمرته ومن غلَّته ، فالتفت معاوية إلى ورْدَان فقال : ما بقي منك يا وردان ؟ قال : صنيعة كريمة سنية أعلِّقها في أعناق قوم ذوي فضل وأخطار لا يكافئونني بها حتى ألقى الله تعالى وتكون لعقبي في أعقابهم بعدي ، فقال معاوية : تبّاً لمجلسنا سائر هذا اليوم ، إن هذا العبد غلبني وغلبك . وفاة عمرو بن العاص : وفي سنة ثلاث وأربعين مات عمرو بن العاص بن وائل بن سهْم بن سعيد بن سعد بمصر ، وله تسعون سنة ، وكانت ولايته مصر عشر سنين وأربعة أشهر ، ولما حضرته الوفاة قال : اللهم لا براءة لي فاعتذر ، ولا قوة لي فانتصر ، أمرتنا فعصينا ، ونهيتنا فركبنا ، اللهم هذه يدي إلى ذقني ، ثم قال : خُدُّوا لي في الأرض خدّاً ، وسُنُّوا على التراب سناً ، ثم وضع أصبعه في فيه حتى مات ، وصلى عليه ابنه عبد الله يوم الفطر ، فبدأ بالصلاة عليه قبل صلاة العيد ، ثم صلى بالناس بعد ذلك صلاة العيد ، وكان أبوه من المستهزئين ، وفيه نزلت ( إن شانئك هو الأبتر ) . وولى معاوية ابنه عبد الله بن عمرو ما كان لأبيه . وخلف عمرو من العَيْنِ ثلاثمائة ألف دينار وخمسة وعشرين ألف دينار ، ومن الورق ألف درهم وغلة مائتي ألف دينار بمصر وضيعته المعروفة بمصر بالوهط قيمتها عشرة آلاف ألف درهم . وفيه يقول ابن الزبير الأسدي الشاعر من أبيات : ألم تر أن الدهر أخْنتْ صروفه على عمرو السهمي تجْبى له مصر فلم يُغْنِ عنه حَزْمه واحتياله ولا جمعه لمّا أتيح له الدهر وأمسى مقيماً بالعراء وضللت مكايده عنه وأمواله الدَّثْرُ