المسعودي
41
مروج الذهب ومعادن الجوهر
فضل الكتاب : وبعد ، فإنه يوصل به كل كلام ، ويتزين به في كل مقام ، ويتجمل به في كل مشهد ، ويحتاج اليه في كل محفل ، ففضيلة علم الاخبار بينة على كل علم ، وشرف منزلته صحيح في كل فهم ، فلا يصبر على فهمه وتيقن ما فيه ، وإيراده وإصداره الا انسان قد تجرد له ، وفهم معناه ، وذاق ثمرته ، واستسفر من غرره ( 1 ) ، ونال من سروره ، وقد قالت الحكماء : الكتاب نعم الجليس ، ونعم الذخر ( 2 ) ، ان شئت ألهتك نوادره ، وأضحكتك بوادره ، وإن شئت أشجتكَ مواعظه ، وان شئت تعجبت من غرائب فوائده ، وهو يجمع لك الأول والآخر والغائب والحاضر والناقص والوافر والشاهد والغائب والبادي والحاضر ، والشكل وخلافه ، والجنس ( 3 ) وضده ، وهو ميت ينطق عن الموتى ، ويترجم عن الأحياء ، وهو مؤنس يَنشَطُ بنشاطك ، وينام بنومك ، ولا ينطق معك الا بما تهوى ، ولا نعلم جاراً أبرَّ ، ولا خليطاً أنصَفَ ، ولا رفيقاً أطوع ، ولا معلماً أخضع ( 4 ) ، ولا صاحباً أظهر كفاية ، وأقل خيانة ( 5 ) ، ولا أجدى ( 6 ) نفعاً ، ولا أحمد أخلاقاً ، ولا أقل خِلافاً ، ولا أدوم سروراً ، ولا أسكت غيبة ، ولا أحسن موافاة ( 7 ) ، ولا أعجل مكافأة ، ولا أخف مؤنة منه ، ان نظرت اليه أطال إمتاعك ، وشحذ طباعك ، وأيَّد فهمك ، وأكثر علمك ، وتَعْرِف منه في شهر ، ما لا تأخذه من أفواه الرجال في دهر ، ويغنيك عن كد الطلب ، وعن الخضوع لمن أنت أثبت منه أصلًا ، وأسمح فرعاً ( 8 ) ، وهو المعلم الذي لا يجفوك ، وإن قطعت عنه المائدة ، لم يقطع عنك الفائدة ، وهو الذي يطيعك بالليل طاعته لك بالنهار ، ويطيعك في السفر كطاعته لك في الحضر ، وقد قال
--> ( 1 ) في نسخة : واستشعر من عزه . ( 2 ) في نسخة : نعم الجليس والعمدة . ( 3 ) في نسخة : والحسن وضده . ( 4 ) في نسخة : ولا معلما أجمع . ( 5 ) في نسخة : ولا أقل جناية . ( 6 ) في نسخة : ولا أبدى نفعاً . ( 7 ) في نسخة : ولا أحسن مواتاة . ( 8 ) في نسخة : وأشمخ فرعاً .