المسعودي

35

مروج الذهب ومعادن الجوهر

الأجسام ، وتبلد الأحلام ، وتصفي الألوان ، لا سيما أرض حِمْص فإنها تحسن الجسم ، وتصفي اللون ، وتبلَّد الفهم ، وتنزح غوره ، وتجفي الطبع ، وتذهب بماء القريحة ، وتنصب العقول ، والشام - يا أمير المؤمنين ، وإن كانت على ما وصفت لك - فهي مَسْرَح خصب ، ووابل سَكب ، كثرت أشجاره ، واطَّردت أنهاره ، وغمرت أعشاره ( 1 ) وبه منازل الأنبياء ، والقدس المجتبى ، وفيه حل أشراف خلق الله تعالى من الصالحين والمتعبدين ، وجباله مساكن المجتهدين والمنفردين . مصر : وأما أرض مصر فأرض قَوْراء غَوْراء ، ديار الفراعنة ، ومنازل الجبابرة ، تحمد بفضل نيلها ، وذمُّها أكثر من حمدها ، هواؤها راكد ، وحرها زائد ، وشرها وارد ( 2 ) ، تكدر الألوان ، وتخبب الفِطَن وتكثر الإحن ، وهي معدن الذهب والجوهر والزمرد والأموال ، ومغارس الغَلَّات ، غير أنها تسمن الأبدان ( 3 ) وتسود الأبشار ، وتنمو فيها الأعمار ، وفي أهلها مكر ورياء ، وخبث ودهاء وخديعة ، إلا أنها بلد مكسب لا بلد مسكن ، لترادف فتنها ، واتصال شرورها . اليمن : وأما اليمن فيضعف الأجسام ، ويذهب الأحلام ( 4 ) ، ويذهب بالرطوبة ، في أهله همم كبار ، ولهم أحساب وأخطار ، مَغَايضه خصبة ، وأطرافه جَدْبة ، وفي هوائه انقلاب ، وفي سكانه اغتيال ، وبهم قطعة من الحسن ، وشعبة من التَّرَفه ( 5 ) ، وفقرة من الفصاحة . الحجاز : وأما الحجاز فحاجز بين الشام واليمن والتهائم ، هواؤه حَرور ، وليله بَهُور ( 6 ) ، ينحف الأجسام ، ويجفف الأدمغة ، ويشجع القلوب ، ويبسط الهمم ( 7 ) ، ويبعث على الإحن وهو بلد مَحْل قَحْط جَدْب ضَنْك .

--> ( 1 ) في بعض النسخ : وعمرت عشاره . ( 2 ) في بعض النسخ : وشرها بائد . ( 3 ) في بعض النسخ : تسهل الأجسام . ( 4 ) في بعض النسخ : ويهذب الأحلام . ( 5 ) في بعض النسخ : وشعبة من الرقة . ( 6 ) في بعض النسخ : وليله سهور . ( 7 ) في بعض النسخ : ويسقط الهمم .