المسعودي

47

مروج الذهب ومعادن الجوهر

ووجدت في عدة من كتب التواريخ والسير والأنساب ان آدم لما نطق بهذا الشعر أجابه إبليس من حيث يسمع صوته ولا يرى شخصه ، وهو يقول : تَنَحَّ عَنِ البلادِ وساكنيها فقد في الأرضِ ضاقَ بك الفَسيحُ وكنتَ وزَوجكَ الحوّاءُ فيها أآدمُ من أذى الدُّنيا مريحُ فما زالتْ مُكايدتي ومكري إلى أنْ فاتكَ الثمنُ الرّبيحُ فلو لا رَحمةُ الرّحمنِ أضحَتْ بِكَفِّكَ من جِنانِ الخلدِ ريحُ ووجدت أن آدم عليه السلام سمع صوتاً ولا يرى شخصاً وهو يقول بيتاً آخر مفرداً دون ما ذكرنا من هذا الشعر ، وهو هذا البيت : أبا هابيلَ قد قتلا جميعاً وصارَ الحيُّ بالميتِ الذبيح فلما سمع آدم ذلك ازداد حزناً وجزعاً على الماضي والباقي ، وعلم أن القاتل مقتول ، فأوحى الله اليه إني مخرج منك نوري الذي به السلوك في القَنَوات الطاهرة والأرومات الشريفة ، وأباهي به الأنوار ، وأجعله خاتم الأنبياء ، وأجعل آله خيار الأئمة الخلفاء ، وأختم الزمان بمدتهم ، وأَغص الأرض بدعوتهم ، وأنشرها بشيعتهم ، فشمِّر وتطهَّر ، وقدَّس ، وسبَّح ، واغشَ زوجتك على طهارة منها فإن وديعتي تنتقل منكما إلى الولد الكائن منكما . حواء تحمل بشيث : فواقع آدم حَوّاءَ فحملت لوقتها ، وأشرق جبينها ، وتلألأ النور في مخايلها ، ولمع من محاجرها ، حتى إذا انتهى حملها وضعت نَسَمَةً كأسر ما يكون من الذُّكران ، وأتمهم وقاراً ، وأحسنهم صورة ، وأكملهم هيئة ، وأعد لهم خَلقاً ، مجللًا بالنور والهيبة ، موشحاً بالجلالة والأبهة ، فانتقل النور من حواء إليه حتى لمع في أسارير جبهته وبَسَقَ في غُرّة طلعته ، فسماه آدم شيثا ، وقيل شيث هبة الله ،