المسعودي
431
مروج الذهب ومعادن الجوهر
وخرطومه أنفه ، وبه يوصل الطعام والشراب إلى جوفه ، وهو شيء بين الغضروف واللحم والعصب ، وبه يقاتل ويضرب ، ومنه يصيح ، وليس صوت الفيل على مقدار عظم جسمه وكبر خلقه . عناية المنصور بالفيلة ، وقد كان المنصور عُني بجمع الفيلة لتعظيم الملوك السالفة إياها واقتنائها لها ، وإعدادها للحروب والزينة في الأعياد وغيرها ، فإنها أوطأ مراكب الملوك وأمهدها ، وأخبرني بعض الكتاب ممن يرجع إلى أدب وعقل ومعرفة بأيام الناس بمدينة السلام ، أنه اشترى بغلة في غاية الفَرَاهة والحسن ( 1 ) ، فكان يركبها في مهماته وتصرفاته ، وكانت إذا رأت الجمال البُخْتَ أو العراب من العَمَّالة أو غيرها في الطريق نفرت وشَبَّتْ ، وكان يلقى منها جهداً جهيداً فيصبر على ذلك المكروه ، لما هي عليه من الفراهة والحسن ( 2 ) ، وأنه لا يحمله غيرها لعظم جسمه وكبر بطنه وسمنه ، قال : فلما كان في بعض الأيام اجتزت بباب الطاق - وذلك في أيام المقتدر ، وقد أخرج الفيلة للرياضة والتمهيد وليحمل عليها الليث ابن علي الصفار وأصحابه ، وقد كان مؤنس المظفر الخادم أسره ببلاد فارس حين خرج على السلطان - قال : فأشرفت على قطار من الجمال البخت منهزمة خائفة من الفيل ، تجمز في مشيتها ، لا سبيل لمن عليها أن يحبسها ( 3 ) لما قد لحقها من الجزع ، فلما رأت البغلة ذلك شَبَّتْ وولت على عقبها ، ورمت بي الأرض فوقعت كجلد ثور منفوخ ، ودخلت الجمال إلى درب لا ينفذ ، وقد كانت البغلة حين رمت بي ونفرت من الجمال دخلت ذلك الدرب ، وجاءت
--> ( 1 ) في بعض النسخ : في نهاية من الحسن والفراهية . ( 2 ) في بعض النسخ : من الفراهية والنضارة . ( 3 ) في بعض النسخ : لا سبيل لمن عليها إلى ردها .