المسعودي
413
مروج الذهب ومعادن الجوهر
جامات من الزجاج قد أحاط بها خشب التابوت باستدارتها ، وقد أمسك ذلك بالقار والزفت وغيره من الأطلية الدافعة للماء ، حذراً من دخول الماء إلى التابوت . وقد جعل فيها مواضع للحبال ، ودخل الإسكندر في التابوت هو ورجلان معه من كتابه ممن له علم بإتقان التصوير ومبالغة فيه وأمر أن تسد عليهم الأبواب ، وأن تطلى بما ذكرنا من الأطلية ، وأمر فأتى بمركبين عظيمين ، فأخرجا إلى لجة البحر ، وعلق على التابوت من أسفله مثقلات الرصاص والحديد والحجارة لتهوي بالتابوت سفلا ، إذ كان من شأنه لما فيه من الهواء أن يطفو فوق الماء ولا يرسب في أسفله ، وجعل التابوت بين المركبين ( 1 ) فألصقهما بخشب بينهما لئلا يفترقا ، وشد حبال التابوت إلى المركبين ( 2 ) وطوَّلَ حباله ، فغاص التابوت حتى انتهى إلى قرار البحر ، فنظروا إلى دواب البحر وحيوانه من ذلك الزجاج الشفاف في صفاء ماء البحر ، فإذا هم بشياطين ( 3 ) على مثال الناس رؤوسهم على مثال رؤوس السباع ، وفي أيدي بعضهم الفؤوس ، وفي أيدي بعض المناشير والمقامع ، يحاكون بذلك صناع المدينة والفَعَلة وما في أيديهم من آلات البناء ، فأثبت الإسكندر ومن معه تلك الصور وأحكموها ( 4 ) بالتصوير في القراطيس ، على اختلاف أنواعها وتشوه خلقتهم وقدودهم وأشكالهم ، ثم حرك الحبال ، فلما أحس بذلك من في المركبين جذبوا الحبال وأخرجوا التابوت ، فلما خرج الإسكندر من التابوت وسار إلى مدينة الإسكندرية أمر صناع الحديد والنحاس والحجارة فصنعوا تماثيل تلك الدوابّ على ما كان صوّره الإسكندر وصاحباه ،
--> ( 1 ) في بعض النسخ : إلى المركبين . ( 2 ) زيادة في احدى النسخ . ( 3 ) في بعض النسخ : فإذا بصور شياطين . ( 4 ) في بعض النسخ : وحكوها بالتصوير من القراطيس .