المسعودي

411

مروج الذهب ومعادن الجوهر

جبار ، ولا لخوف جيش جرار ، ولا عن رهبة ولا عن صغار ، لكن لتمام المقدار ، وانقطاع الآثار ، وسلطان العزيز الجبار ، فمن رأى أثري ، وعرف خبري ، وطول عمري ، ونفاذ بصري ، وشدة حذري ، فلا يغتر بالدنيا بعدي ، فإنها غرارة تأخذ منك ما تعطي ، وتسترجع ما تولي ( 1 ) « . وكلام كثير يُري فناء الدنيا ويمنع من الاغترار بها والسكون إليها . ونزل الإسكندر متفكراً يتدبر هذا الكلام ويعتبره ، ثم بعث فحشر الصناع من البلاد ، وخط الأساس ، وجعل طولها وعرضها اميالا ، وحشد إليها العمد والرخام ، وأتته المراكب فيها أنواع الرخام ، وأنواع المرمر والأحجار ، من جزيرة صقلية ، وبلاد إفريقية ، وإقريطش ، وأقاصي بحر الروم مما يلي مصبه من بحر أوقيانوس ، وحمل اليه أيضاً من جزيرة رودس وهي جزيرة مقابلة للإسكندرية على ليلة منها في البحر ، وهي أول بلاد الافرنجة ، وهذه الجزيرة في وقتنا هذا ، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ، دار صناعة الروم ، وبها تنشأ المراكب الحربية ، وفيها خلق كثير من الروم ، ومراكبهم تطرق بلاد الإسكندرية وغيرها من بلاد مصر فتُغِيرُ وتأسر وتسبي . وأمر الإسكندر الفعلة والصناع أن يدوروا بما رسم لهم من أساس سور المدينة ، وجعل على كل قطعة من الأرض خشبة قائمة ، وجعل من الخشبة إلى الخشبة حبالًا منوطة بعضها ببعض ، وأوصل جميع ذلك بعمود من الرخام ، وكان أمام مضربه ، وعلق على العمود جرساً عظيما مصوتاً ، وأمر الناس والقُوَّام على البنَّائين والفَعَلة والصناع أنهم إذا سمعوا صوت ذلك الجرس وتحركت الحبال وقد علق على

--> ( 1 ) زيادة في احدى النسخ .