المسعودي
400
مروج الذهب ومعادن الجوهر
تُدَبِّرُ بالنجوم ولستَ تدْري وربُّ النجم يفعلُ ما يريد وكانت هذه الأمة التي اتخذت هذه البرابي لهجَة بالنظر في أحكام النجوم ، مواظبة على معرفة أسرار الطبيعة ، وكان عندها مما دلت عليه أحكام النجوم ان طوفاناً سيكون في الأرض ، ولم تقطع بأن ذلك الطوفان ما هو : أنار تأتي على الأرض فتحرق ما عليها ، أو ماء فيغرقها ، أو سيف يبيد أهلها ؟ فخافت دثور العلوم وفناءها بفناء أهلها ، فاتخذت هذه البرابي ، واحدها بربا ، ورسمت فيها علومها من الصور والتماثيل والكتابة ، وجعلت بنيانها نوعين : طيناً ، وحجراً وفرزت ما يبنى بالطين مما يبنى بالحجر ، وقالت : ان كان هذا الطوفان ناراً استحجر ما ينبى من الطين وانحرق ، وبقيت هذه العلوم ، وان كان الطوفان الوارد ماء أذهب ما يبنى بالطين ، ويبقى ما يبنى بالحجارة ، وان كان الطوفان سيفاً بقي كِلا النوعين ما هو بالطين وما هو بالحجر ، وهذا على ما قيل - والله أعلم - كان قبل الطوفان ، وقيل : ان ذلك كان بعد الطوفان وان الطوفان الذي كانوا يرقبونه ولم يتيقنوا ( 1 ) أنار هو أم ماء أم سيف ، كان سيفاً أتى على جميع أهل مصر من أمة غشيتها وملك نزل عليها فأباد أهلها ومنهم من رأى أن ذلك الطوفان كان وباء عم أهلها ، ومصداق ذلك ما يوجد ببلاد تنيس من التلال المنضدة من الناس من صغير وكبير ، وذكر وأنثى ، كالجبال العظام ، وهي المعروفة ببلاد تنيس من أرض مصر بأبي الكوم ( 2 ) وما يوجد ببلاد مصر وصعيدها من الناس المنكسين ( 3 ) بعضهم على بعض في كهوف وغيران ( 4 ) ونواويس ، ومواضع كثيرة من الأرض لا يدرى من أي الأمم هم ، فلا
--> ( 1 ) في بعض النسخ : لم يعينوه . ( 2 ) في بعض النسخ : ذوات الكرم . ( 3 ) في بعض النسخ : المكبسين . ( 4 ) في بعض النسخ : وغديران .