المسعودي

367

مروج الذهب ومعادن الجوهر

وفنيت الأزواد والعلوفات ، وضاق صدر الرشيد من ذلك ، فأحضر أبا إسحاق الفزاري ، فقال : يا إبراهيم قد ترى ما نزل بالمسلمين ، فما الرأي الآن عندك ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، قد كنت أشفقت من هذا ، وقدمت القول فيه ، ورأيت أن يكون الجد والحرب من المسلمين على غير هذا الحصن ، وأما الآن فلا سبيل إلى الرحيل عنه من بعد المباشرة ، فيكون ذلك نقصاً في الملك ، ووهناً في الدين ، وإطماعاً لغيره من الحصون في الامتناع عن المسلمين ، والمصابرة لهم ، لكن الرأي يا أمير المؤمنين ان تأمر بالنداء في الجيش أن أمير المؤمنين مقيم على هذا الحصن إلى أن يفتحه الله عز وجل على المسلمين ، وتأمر بقطع الخشب وجمع الأحجار وبناء مدينة بإزاء هذا الحصن إلى أن يفتحه الله عز وجل ، ولا يكون هذا الخبر ينمو إلى أحد من الجيش إلا على المقام ، فان النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الحرب خدعة » وهذه حرب حيلة لا حرب سيف ، فأمر الرشيد من ساعته بالنداء ، فحملت الأحجار وقطع الأخشاب من الشجر ، وأخذ الناس في البناء ، فلما رأى أهل الحصن ذلك جعلوا يتسللون في الليل ، ويُدَلَّون أنفسهم بالحبال . وفي خبر أبي عمير بن عبد الباقي زيادات ، منها خبر الجارية التي سَباها الرشيد من هذا الحصن ، وهي ابنة بطريقِه ، وكانت ذات حسن وجمال ، فزايد ( 1 ) فيها صاحب الرشيد في المغنم ، وبالغ فيها حتى اشتراها له ، فبلغت من قلبه ، وبنى لها نحو الرافقة بأميال على طريق بالس حصناً سماه هرقلة على الفرات ( 2 ) ، يحاكي به حصن هرقلة ببلاد الروم ، في خبر طويل قد أتينا على جميعه في

--> ( 1 ) في بعض النسخ « فزاد فيها » . ( 2 ) سقطت من بعض النسخ .