المسعودي
328
مروج الذهب ومعادن الجوهر
عالم الظلم والمعاندة ، والغشم والمفاسدة ، تخطفك الخواطف ، وتنتهرك ( 1 ) العواصف ، قد حرمت علم الغيوب ، والكون في العالم المحبوب ، ورميت بشدائد الخطوب ، ورفضت كل مطلوب ، أين مصادرك الطبية وراحتك القوية ؟ حللت في الأجساد ، فقوي عليك الكون والفساد ، حللت يا نفس بين السباع القاتلة والأفاعي المهلكة ، والمياه الحاملة ( 2 ) والنيران المحرقة ، والريح العاصفة ، وصيرتك الأعمار ( 3 ) في قرارات الأجسام ، لا تشاهدين إلا غافلًا ، ولا تَرَيْنَ إلا جاهلا ، قد زهد في الخيرات ورغب عن الحسنات ، ثم رفع طرفه نحو السماء فرأى النجوم تزهر ، فقال بأعلى صوته : يا لك من نجوم سائرة ، وأجسام زاهرة ، من عالم شريف طلعت ، ولشيء ما وضعت ، إنك من عالم نفيس قد كانت النفس في أعاليه ساكنة ، وفي أكنافه قاطنة ( 4 ) ، فقد أصبحت عنه ظاعنة ، ثم أقبل على الرسول وقال خذه ورده إلى الملك ، يعني التراب ، ولم يحدث فيه حادثة ، فلما ورد الرسول على الإسكندر أخبره بجميع ما شاهده ، فتعجب الإسكندر من ذلك ، وعلم مرامي الفيلسوف ومقاصده وغاية مراده فيما وقع بالنفوس من النقلة مما علا من العوالم إلى هذا العالم . ولما كان في صبيحة تلك الليلة جلس له الإسكندر جلوساً خاصاً ، ودعا به ، ولم يكن رآه قبل ذلك ، فلما أقبل ونظر إلى صورته وتأمل قامته وخلقته ، نظر إلى رجل طويل الجسم ، رَحْب الجبين ، معتدل البنية ، فقال في نفسه : هذه بنية تضاد الحكمة ، فإذا اجتمع حسن الصورة وحسن الفهم كان أوحد زمانه ، ولست
--> ( 1 ) في بعض النسخ « تنتهزك العواصف » . ( 2 ) زيادة في بعض النسخ . ( 3 ) في بعض النسخ « تسير بك الأعمار » . ( 4 ) في بعض النسخ « وفي خزائنه قاطنة » .