المسعودي
297
مروج الذهب ومعادن الجوهر
أصف لك من يصلح للملك : أسماهم للمعالي ، واطلبهم للأدب ، واجزعهم من العامة ، وارأفهم بالرعية ، وأوصلهم للرحم ، وأبعدهم من الظلم ، فمن كانت هذه صفته فهو حقيق بالملك . قال المسعودي : وقد ذكرنا في كتاب « الزلف » الخصالَ التي يستحق بها الملك من وجدت فيه ، وما ذكرنا عن حكماء الفرس وأسلافها في ذلك وغيرها من حكماء اليونانيين كأفلاطون ، وما ذكره في كتاب السياسة المدنية وغيره ممن تأخر عن عصره . وذكر عن بزرجمهر أنه قال : رأيت من أنوشروان خصلتين متباينتين لم أر مثلهما منه ، جلس يوماً للناس فدخل رجل من خاصة أهله فنحّاه وزيره ، فأمر به ان يقام ويحجب عنه سنة لتعديه المرتبة التي رسمت له وازدياده فيها عن مرتبة غيره في المجلس ، ثم رأيته يوماً ونحن عنده في سر من تدبير شيء من المملكة ، وخدَمه خلف فراشه وسرير ملكه يتحدثون ، فارتفعت أصواتهم حتى شغلونا عن بعض ما كنا فيه ، فقلت له وأخبرته بتفاوت ما بين الحالتين ، فقال لي : لا تعجب ( 1 ) فنحن ملوك على رعيتنا ، وخدمنا ملوك على أرواحنا ينالون ( 2 ) منا في خلوتنا ما لا حيلة لنا في التحرز منهم . وكان انو شروان يقول : الملك بالجند ، والجند بالمال ، والمال بالخراج ، والخراج بالعمارة ، والعمارة بالعدل ، والعدل بإصلاح العمال ، واصلاح العمال باستقامة الوزراء ، ورأس الكل تفقُّد الملك أمورَ نفسه واقتداره على تأديبها حتى يملكها ولا تملكه .
--> ( 1 ) في بعض النسخ « لا تعجل » . ( 2 ) في بعض النسخ « يكون منا في خلوتنا » .