المسعودي

281

مروج الذهب ومعادن الجوهر

وقد كان سابور في مسيره في البلاد أتى على بلاد البحرين ، وفيها يومئذ بنو تميم ، فأمعن في قتلهم ، وفرت بنو تميم ، وشيخها يومئذ عمرو بن تميم بن مر ، وله يومئذ ثلاثمائة سنة ، وكان يعلق في عمود البيت في قفة قد اتخذت له ، فأرادوا حمله ، فأبى عليهم إلا أن يتركوه في ديارهم ، وقال : أنا هالك اليوم أو غداً ، وما ذا بقي لي من فسحة العمر ؟ ولعل الله ينجيكم بي من صَوْلة هذا الملك المسلط على العرب ، فخلوا عنه ، وتركوه على ما كان عليه ، فصبّحت خيل سابور الديار ، فنظروا إلى أهلها وقد ارتحلوا ، ونظروا إلى قفة معلقة في شجرة ، وسمع عمرو صهيل الخيل ووقعها ، وهمهمة الرجال ، فأقبل يصيح بصوت ضعيف ، فأخذوه ، وجاؤا به إلى سابور ، فلما وُضع بين يديه نظر إلى دلائل الهرَم ومرور الأيام عليه ظاهرة ( 1 ) ، فقال له سابور : من أنت أيها الشيخ الفاني ؟ قال : أنا عمرو بن تميم ابن مر ، وقد بلغت من العمر ما ترى ، وقد هرب الناس منك لإسرافك في القتل وشدة عقوبتك إياهم ، وآثرتُ الفناء على يديك ليبقى من مضى من قومي ، ولعل الله ملك السماوات والأرض يُجري على يديك فرجهم ، ويصرفك عما أنت بسبيله من قتلهم ، وأنا سائلك عن أمر إن أذنْتَ لي فيه ، فقال له سابور : قل يُسْمع ( 2 ) منك ، فقال له عمرو : ما الذي يحملك على قتل رعيتك ورجال العرب ؟ فقال سابور : أقتلهم لما ارتكبوا من أخذ بلادي وأهل مملكتي ، فقال عمرو : فعلوا ذلك ولستَ عليهم بقيم ، فلما بلغتَ وقفوا عما كانوا عليه من الفساد هيبة لك ، قال سابور : أقتلهم لأنا ملوك الفرس نجد في مخزون علمنا وما سلف من أخبار أوائلنا أن العرب ستُدال

--> ( 1 ) في نسخة « بينة » . ( 2 ) في بعض النسخ « قل نسمع منك » .