المسعودي
210
مروج الذهب ومعادن الجوهر
وقد حكي عن حكيم من خواقين الترك - وهم الملوك المنقادة إلى ملكهم جميع ملوك الترك - أنه قال : إن بُزاة أرضنا إذا أسقطت أنفس فراخها من الوعاء إلى الفضاء ، سمت في آخر الجو إلى الهواء البارد الكثيف ، فأنزلت دواب تسكن هناك فتغذيها بها ، فلا تلبث أن تقوى وتنهض لاسراع الغذاء فيها ، وأنهم ربما وجدوا في أو كارها من تلك الدواب أشلاء . وقد قال جالينوس : إن الهواء حار رطب ، والبرد يعرض فيه لقوة الرياح المرتفعة ولا يخلو الجو من نشاء فيه وساكن . وعن بليناس أنه قال : واجب إذا كان لهذين الأسطقصين - يعني الأرض والماء - خلق وساكن أن يكون للأسطقسين الأعليين - يعني الهواء والنار - خلق وساكن . من أخبار هارون الرشيد : ووجدت في بعض أخبار هارون الرشيد أن الرشيد خرج ذات يوم إلى الصيد ببلاد الموصل ، وعلى يده باز أبيض ، فاضطرب على يده ، فأرسله ، فلم يزل يحلق حتى غاب في الهواء ، ثم طلع بعد الإياس منه ، وقد علق شيئاً فهوى به يشبه الحية أو السمكة ، وله ريش كأجنحة السمك ، فأمر الرشيد فوضع في طست ، فلما عاد من قنصه أحضر العلماء فسألهم : هل تعلمون للهواء ساكناً ؟ فقال مقاتل : يا أمير المؤمنين ، روينا عن جدك عبد الله بن عباس أن الهواء معمور بأمم مختلفة الخلق ، فيها سكان أقربها منا دواب تبيض في الهواء تفرخ فيه ، يرفعها الهواء الغليظ ويربيها حتى تنشأ في هيئة الحيات أو السمك ، لها أجنحة ليست بذات ريش تأخذها بُزاة بيض تكون بأرمينية ، فأخرج الطست إليهم ، فأراهم الدابة ، وأجاز مقاتلا يومئذ .