المسعودي
10
مروج الذهب ومعادن الجوهر
النسخة التي وصلتنا منه . وقد رحّب الملأ العلمي بهذا الكتاب واستقبله بالرضى وراحت النسخ منه تترى بسرعة أضرّت كثيراً بصحة الكتاب وسلامة إصالته ، إذ نرى المؤلف قبل بضع سنوات من وفاته يعد طبعة أو نسخة جديدة ، منقحة ، مزيدة من « مروج الذهب » كاد يتضاعف معها حجم الكتاب الأول . غير أ ، النسخة الأولى كانت غزت ، بالرغم مما تسرب اليهما من هفوات وهنات ، وقلب وبدل ، مكتبات العصر من عامة وخاصة ، باعداد كثيرة ، وكان القارئ العادي أكثر ارتياحاً لها من المؤلف نفسه ، فاستمر الناس يتناقلونها ويتداولونها ، دون الثانية التي كانت أوسع وأدق وأصح ، وهي النسخة التي اعتمدها الكتاب والمؤرخون الذين جاؤوا بعد المسعودي وعولوا عليها . كوّن الملأ العلمي في أوروبا ، رأياً عالياً حول المسعودي ، منذ القرن الثامن عشر ورفعه إلى مرتبة سامقة . ومن نافل السعي وبطلانه ان يجند المرء اليوم للدفاع عن المسعودي لدرء التهم التي يرميها به [ المستشرق الألماني ] رابكه . فالملاحظات التي يبديها مؤلف : « مقدمة ابن خلدون » ترتكز على أمور صحيحة ، تنحصر في أغلاط وهنات مسقطات تتعلق بتفاصيل عامة . ومن العدل والانصاف ان نقر هنا بأن ابن خلدون هو أعمق تفكيراً وأبعد مدلولاً في استدلالاته التاريخية وأ ؛ كأمه الصائبة فهو يستمد الكثير من شواهده والأمثلة التي يضربها لنا في مباحثه ونظراته الفلسفية ، من المسعودي نفسه : « إمام الكتاب والباحثين » وهي العبارة بالذات التي يستعملها ابن خلدون ( 1 ) .
--> ( 1 ) وضع رينان دراسة مسهبة قارن فيها بين الرحالة والمؤرخ العربي المسعودي وبين الرحالة الجغرافي والمؤرخ اليوناني بوزانياس ( القرن الثاني للميلاد ) لما بينهما من صلة وقربى في النهج والمساق ، ختمها بأمور واحكام من العسير التسليم بها . فالرحالة اليوناني هو فنان وشاعر يحيى ويعش ويتحمس للاساطير اليونانية ، والخرافات المروية كما أنه معجب بمآثر اليونان . فالكتاب الذي وضعه بعنوان ، « رحلة في اليونان » لا يتعدى مداها حدود بلاده الأم ، بينما الرحالة والجغرافي المسلم المسعودي ، هو مؤلف موسوعي ، أقل حماسة من الأول الا أنه أكثر فضولاً علمياً واطلاعاً ، فاخذ من العالم المعروف في عهده ، مجالاً لنشاطه ورحلاته . فبوزانياس . الذي يلقيه سكاليجر Scaliger ويصفه بأنه Graecorum omnium mcndacivissimus يهزه ان يبرز امامنا ، شاهد عيان لكثير من هذه الخوارق التي يرويها . فما من أحد يشك أو يرتاب بسلامة علوية المسعودي . فذكرياته المتزاحمة تجعله يتيه ويضل ، الا انه لا يذهب قربة خياله الجامح . فإن كان يبدو عليه أحياناً سفسطائياً في الحالة الأولى ، فهو في الثانية ذو فضول ساذج ، الا انه مخلص كل الاخلاص ، على كل حال .