الشيخ جعفر كاشف الغطاء
543
منهج الرشاد لمن أراد السداد
فأين ذلك من أفعال المسلمين . فأقسم عليك بمن سلطك على طائفة من عباده ، ومكنك من كثير من بلاده ، أن تخلي نفسك من حب الانفراد ، الباعث على الامتياز بين العباد ، وتحذر من قولهم . ( لكل جديد لذة ) ، و ( خالف تعرف ) . كما أني أحذر نفسي ، وأصحابي من حب اتباع الآباء والأجداد ، وإرادة الدخول في الجماعة ، وكراهة الانفراد . وأما ما صدر من أهل الإسلام ، فإنما هو عن أمر زعموه ، فأن كان حقا أثيبوا ، أو كان خطأ فكذلك . فأين حال المسلمين من حال من جعل الآلهة ثلاثة ، أو اثنين ، واتخذ الملائكة أربابا ، واتخذ بعض المخلوقين أندادا وشركاء ، يعبدون من دون الله أو مع الله ، إما لأهليتهم ، أو لترتب التقرب إلى الله زلفى من دون أمر الله لهم بذلك ، قال تعالى : ( ما أنزل الله بها من سلطان ) ( 1 ) . وروي أن ( قريشا ) كانوا يعبدون الأصنام ، ويقولون : ليقربونا إلى الله ، ولا طاقة لنا على عبادة الله . وسيجئ في بعض المقامات الآتية ما يكشف عن حقيقة ذلك . وإن أردت تمام الكلام في هذا المقام ، فأنظر بعين البصيرة إلى ما نحاول في هذا المقام تحريره . إعلم أن الألفاظ اللغوية والعرفية العامة ، قد تبقى على حالها من المعاني القديمة ، فتلك لا تحتاج إلى بيان ، سواء وردت في السنة أو القرآن . وأما إذا نقلت عن المعاني الأولية إلى غيرها ، أو استعملت في المعاني الثانوية على وجه المجازية ، فهي من المجمل المحتاج إلى البيان ، كلفظ الصلاة والصيام والحج ، فإنه لو لم يبينها الشرع لبقيت على إجمالها ، حيث لا يراد منها مطلق الدعاء والامساك والقصد ، بل معنى جديد ، تتوقف معرفته على بيان وتحديد . ومن هذا القبيل ما نحن فيه من لفظ العبادة والدعاء ونحوهما ، فإنه لا يراد بهما في لحوق الشرك بهما المعنى القديم ، وإلا للزم كفر الناس من يوم آدم إلى يومنا هذا . لأن العبادة بمعنى الطاعة ، والدعاء بمعنى النداء والاستغاثة للمخلوق لا يخلو منها أحد . ومن أطوع من العبد لسيده ، والزوجة لزوجها ، والرعية لملوكها ، ولا زالوا ينادونهم ،
--> ( 1 ) القرآن الكريم : 12 / 40 ( سورة يوسف ) .