ابن كثير
98
البداية والنهاية
جماعة . وكذلك استأمن قتيبة جماعة من الملوك فأمنهم وولى على بلادهم والله سبحانه وتعالى أعلم . قال الواقدي وغيره : وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك ، فلما قرب من المدينة أمر عمر بن عبد العزيز أشراف المدينة فتلقوه فرحب بهم وأحسن إليهم ، ودخل المدينة النبوية فأخلى له المسجد النبوي ، فلم يبق به أحد سوى سعيد بن المسيب لم يتجاسر أحد أن يخرجه ، وإنما عليه ثياب لا تساوي خمسة دراهم ، فقالوا له : تنح عن المسجد أيها الشيخ ، فإن أمير المؤمنين قادم ، فقال : والله لا أخرج منه ، فدخل الوليد المسجد فجعل يدور فيه يصلي ههنا وههنا ويدعو الله عز وجل ، قال عمر بن عبد العزيز : وجعلت أعدل به عن موضع سعيد خشية أن يراه ، فحانت منه التفاتة فقال : من هذا هو سعيد بن المسيب ؟ فقلت : نعم يا أمير المؤمنين ، ولو علم بأنك قادم لقام إليك وسلم عليك . فقال : قد علمت بغضه لنا ، فقلت : يا أمير إنه وإنه ، وشرعت أثني عليه ، وشرع الوليد يثني عليه بالعلم والدين ، فقلت : يا أمير المؤمنين إنه ضعيف البصر - وإنما قلت ذلك لأعتذر له - فقال : نحن أحق بالسعي إليه ، فجاء فوقف عليه فسلم عليه فلم يقم له سعيد ، ثم قال الوليد : كيف الشيخ ؟ فقال : بخير والحمد لله ، كيف أمير المؤمنين ؟ فقال الوليد : بخير والحمد لله وحده ، ثم انصرف وهو يقول لعمر بن عبد العزيز : هذا فقيه الناس . فقال : أجل يا أمير المؤمنين . قالوا : ثم خطب الوليد على منبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فجلس في الخطبة الأولى وانتصب في الثانية ، قال وقال : هكذا خطب عثمان ، ثم انصرف فصرف على الناس من أهل المدينة ذهبا كثيرا وفضة كثيرة ، ثم كسا المسجد النبوي كسوة من كسوة الكعبة التي معه ، وهي من ديباج غليظ . وتوفي في هذه السنة السائب بن يزيد بن سعد بن تمامة ، وقد حج به أبوه مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وكان عمر السائب سبع سنين ، رواه البخاري فلهذا قال الواقدي : إنه ولد سنة ثلاث من الهجرة ، وتوفي سنة إحدى وتسعين . وقال غيره : سنة ست وقيل ثمان وثمانين ، فالله أعلم . سهل بن سعد الساعدي صحابي مدني جليل ، توفي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وله من العمر خمس عشرة سنة ، وكان ممن ختمه الحجاج في عنقه هو وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله في يده ، ليذلهم كيلا يسمع الناس من رأيهم ، قال الواقدي : توفي سنة إحدى وتسعين عن مائة سنة ، وهو آخر من مات في المدينة من الصحابة . قال محمد بن سعد : ليس في هذا خلاف ، وقد قال البخاري وغيره : توفي سنة ثمان وثمانين فالله أعلم . ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين فيها غزا مسلمة وابن أخيه عمر بن الوليد بلاد الروم ففتحا حصونا كثيرة وغنما شيئا كثيرا وهربت منهم الروم إلى أقصى بلادهم ، وفيها غزا طارق بن زياد مولى موسى بن نصير بلاد الأندلس في