ابن كثير

96

البداية والنهاية

أقرب شئ الاجل ، وأبعد شئ الامل ، وأرجى شئ العمل ، وقد امتدحه بعض الشعراء فقال : سألت الندا والجود حران أنتما * فردا وقالا إننا لعبيد فقلت ومن مولاكما فتطاولا * علي وقالا خالد بن يزيد قال : فأمر له بمائة ألف . قلت : وقد رأيتهما قد أنشدا في خالد بن الوليد رضي الله عنه . فقال : وقالا خالد بن وليد . والله أعلم . وخالد بن يزيد هذا كان أميرا على حمص ، وهو الذي بنى جامع حمص وكان له فيه أربعمائة عبد يعملون ، فلما فرغ منه أعتقهم . وكان خالد يبغض الحجاج ، وهو الذي أشار على عبد الملك لما تزوج الحجاج بنت جعفر أن يرسل إليه فيطلقها ففعل . ولما مات مشى الوليد في جنازته وصلى عليه ، وكان قد تجدد على خالد اصفرار وضعف ، فسأله عبد الملك عن هذا فلم يخبره فما زال حتى أخبره أنه من حب رملة أخت مصعب بن الزبير ، فأرسل عبد الملك يخطبها لخالد فقالت : حتى يطلق نساءه فطلقهن وتزوجها وأنشد فيها الشعر . وكانت وفاته في هذا العام ، وقيل في سنة أربع وثمانين وقد ذكر هناك ، والصحيح الأول . عبد الله بن الزبير ابن سليم الأسدي الشاعر أبو كثير ، ويقال أبو سعيد ، وهو مشهور ، وفد على عبد الله بن الزبير فامتدحه فلم يعطه شيئا فقال : لعن الله ناقة حملتني إليك ، فقال ابن الزبير : إن وصاحبها ، يقال إنه مات في زمن الحجاج . ثم دخلت سنة إحدى وتسعين فيها غزا الصائفة مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه عبد العزيز بن الوليد ، وفيها غزا مسلمة بلاد الترك حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان ، ففتح مدائن وحصونا كثيرة أيضا ، وكان الوليد قد عزل عمه محمد بن مروان عن الجزيرة وأذربيجان وولاهما أخاه مسلمة بن عبد الملك . وفيه غزا موسى بن نصير بلاد المغرب ففتح مدنا كثيرة ودخل في تلك البلاد وولج فيها حتى دخل أراضي غابرة قاصية فيها آثار قصور وبيوت ليس بها ساكن ، ووجد هناك من آثار نعمة أهل تلك البلاد ما يلوح على سماتها أن أهلها كانوا أصحاب أموال ونعمة دارة سائغة ، فبادوا جميعا فلا مخبر بها . وفيها مهد قتيبة بن مسلم بلاد الترك الذين كانوا قد نقضوا ما كانوا عاهدوه عليه من المصالحة ، وذلك بعد قتال شديد وحرب يشيب لها الوليد ، وذلك أن ملوكهم كانوا قد اتعدوا في العام الماضي في أول الربيع أن يجتمعوا ويقاتلوا قتيبة ، وأن لا يولوا عن القتال حتى يخرجوا العرب من بلادهم ، فاجتمعوا اجتماعا هائلا لم يجتمعوا مثله في موقف ، فكسرهم قتيبة وقتل منهم أمما كثيرة ، ورد الأمور إلى ما كانت عليه ، حتى ذكر أنه صلب منهم في بعض المواضع من جملة من أخذه منهم سماطين طولهما أربعة فراسخ من ههنا وههنا ، عن يمينه وشماله ، صلب الرجل منهم بجنب الرجل ، وهذا شئ كثير ، وقتل في