ابن كثير

89

البداية والنهاية

عادلا كثير الخير ، حسن الأخلاق ، فيه دعابة كثيرة ، وكان كوسجا لا شعر بوجهه ، وكذلك كان عبد الله بن الزبير ، والأحنف بن قيس ، وقيس بن سعد بن عبادة ، وقد اختلف في نسبه وسنه وعام وفاته على أقوال ، ورجح ابن خلكان وفاته في هذه السنة . قلت : قد تقدمت ترجمة شريح القاضي في سنة ثمان وسبعين بما فيها من الزيادة الكثيرة غير ما ذكره المؤلف هنا وهناك . ثم دخلت سنة ثمان وثمانين فيها غزا الصائفة مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك ، فافتتحا بمن معهما من المسلمين حصن طوانة في جمادى من هذه السنة - وكان حصينا منيعا - اقتتل الناس عنده قتالا عظيما ثم حمل المسلمون على النصارى فهزموهم حتى أدخلوهم الكنيسة ، ثم خرجت النصارى فحملوا على المسلمين فانهزم المسلمون ولم يبق أحد منهم في موقفه إلا العباس بن الوليد ومعه ابن محيريز الجمحي ، فقال العباس لابن محيريز : أين قراء القرآن الذين يريدون وجه الله عز وجل ؟ فقال : نادهم يأتوك ، فنادى يا أهل القرآن ، فتراجع الناس فحملوا على النصارى فكسروهم ولجأوا إلى الحصن فحاصروهم حتى فتحوه . وذكر ابن جرير : أنه في شهر ربيع الأول من هذه السنة قدم كتاب الوليد على عمر بن عبد العزيز يأمره بهدم المسجد النبوي وإضافة حجر أزواج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأن يوسعه من قبلته وسائر نواحيه ، حتى يكون مائتي ذراع في مائتي ذراع ، فمن باعك ملكه فاشتره منه وإلا فقومه له قيمة عدل ثم اهدمه وادفع إليهم أثمان بيوتهم ، فإن لك في ذلك سلف صدق عمر وعثمان . فجمع عمر بن عبد العزيز وجوه الناس والفقهاء العشرة وأهل المدينة وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين الوليد ، فشق عليهم ذلك وقالوا : هذه حجر قصيرة السقوف ، وسقوفها من جريد النخل ، وحيطانها من اللبن ، وعلى أبوابها المسوح ، وتركها على حالها أولى لينظر إليها الحجاج والزوار والمسافرون ، وإلى بيوت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فينتفعوا بذلك ويعتبروا به ، ويكون ذلك أدعى لهم إلى الزهد في الدنيا ، فلا يعمرون فيها إلا بقدر الحاجة وهو ما يستر ويكن ، ويعرفون أن هذا البنيان العالي إنما هو من أفعال الفراعنة والأكاسرة ، وكل طويل الامل راغب في الدنيا وفي الخلود فيها . فعند ذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد بما أجمع عليه الفقهاء العشرة المتقدم ذكرهم ، فأرسل إليه يأمره بالخراب وبناء المسجد على ما ذكر ، وأن يعلي سقوفه ، . فلم يجد عمر بدا من هدمها ، ولما شرعوا في الهدم صاح الاشراف ووجوه الناس من بني هاشم وغيرهم ، وتباكوا مثل يوم مات النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأجاب من له ملك متاخم للمسجد للبيع فاشترى منهم ، وشرع في بنائه وشمر عن إزاره واجتهد في ذلك ، وأرسل الوليد إليه فعولا كثيرة ، فأدخل فيه الحجرة النبوية - حجرة عائشة - فدخل القبر في المسجد ، وكانت