ابن كثير

82

البداية والنهاية

ثم قال : إذا أنا مت فادع الناس إلى بيعتك فمن أبى فالسيف ، وعليك بالاحسان إلى أخواتك فأكرمهن وأحبهن إلي فاطمة - وكان قد أعطاها قرطي مارية والدرة اليتيمة - ثم قال : اللهم احفظني فيها . فتزوجها عمر بن عبد العزيز وهو ابن عمها ( 1 ) . ولما احتضر سمع غسالا يغسل الثياب فقال : ما هذا ؟ فقالوا غسال ، فقال : يا ليتني كنت غسالا أكسب ما أعيش به يوما بيوم ، ولم أل الخلافة . ثم تمثل فقال : - لعمري لقد عمرت في الملك برهة * ودانت لي الدنيا بوقع البواتر وأعطيت حمر المال والحكم والنهى * ولي سلمت كل الملوك الجبابر فأضحى الذي قد كان مما يسرني * كحلم مضى في المزمنات الغوابر فيا ليتني لم أعن بالملك ليلة * ولم أسع في لذات عيش نواضر وقد أنشد هذه الأبيات معاوية بن أبي سفيان عند موته . وقال أبو مسهر : قيل لعبد الملك في مرض موته : كيف تجدك ؟ فقال أجدني كما قال الله تعالى ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم ) الآية [ الانعام : 94 ] . وقال سعيد بن عبد العزيز : لما احتضر عبد الملك أمر بفتح الأبواب من قصره ، فلما فتحت سمع قصارا بالوادي فقال : ما هذا ؟ قالوا قصار ، فقال : يا ليتني كنت قصارا أعيش من عمل يدي ، فلما بلغ سعيد بن المسيب قوله قال : الحمد لله الذي جعلهم عند موتهم يفرون إلينا ولا نفر إليهم . وقال : لما حضره الموت جعل يندم ويندب ويضرب بيده على رأسه ويقول : وددت أني اكتسبت قوتي يوما بيوم واشتغلت بعبادة ربي عز وجل وطاعته . وقال غيره : لما حضرته الوفاة دعا بنيه فوصاهم ثم قال : الحمد لله الذي لا يسأل أحدا من خلقه صغيرا أو كبيرا ثم ينشد : - فهل من خالد إما هلكنا * وهل بالموت للباقين غار ( 2 ) ويروى أنه قال : ارفعوني ، فرفعوه حتى شم الهواء وقال : يا دنيا ما أطيبك ! إن طويلك لقصير ، وإن كثيرك لحقير ، وإنا كنا بك لفي غرور ، ثم تمثل بهذين البيتين :

--> ( 1 ) انظر في وصيته مروج الذهب 3 / 196 - 197 ابن الأثير 4 / 517 - 518 والاخبار الطوال ص 325 وابن الأعثم 7 / 201 - 202 . ( 2 ) في تاريخ الاسلام للذهبي 3 / 281 : وهل بالموت يا للناس عار . والبيت في ابن الأعثم 7 / 204 : فهل من خالد إن نحن متنا * وهل بالموت للاحياء عار