ابن كثير
77
البداية والنهاية
وقال : هذا فراق بيني وبينك ( 1 ) . وقال أبو الطفيل : صنع لعبد الملك مجلس توسع فيه ، وقد كان بنى له فيه قبة قبل ذلك ، فدخله وقال : لقد كان حثمة الأحوازي - يعني عمر بن الخطاب - يرى أن هذا عليه حرام ، وقيل إنه لما وضع المصحف من حجره قال : هذا آخر العهد منك . وكان عبد الملك له إقدام على سفك الدماء ، وكان حازما فهما فطنا سائسا لأمور الدنيا ، لا يكل أمر دنياه إلى غيره وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص ، وأبوها معاوية هو الذي جدع أنف حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، وقال سعيد بن عبد العزيز : لما خرج عبد الملك إلى العراق لقتال مصعب بن الزبير خرج معه يزيد بن الأسود الجرشي ، فلما التقوا قال : اللهم احجز بين هذين الجبلين وول الامر أحبهما إليك . فظفر عبد الملك - وقد كان مصعب من أعز الناس على عبد الملك - وقد ذكرنا كيفية قتله مصعبا . وقال سعيد بن عبد العزيز : لما بويع لعبد الملك بالخلافة كتب إليه عبد الله بن عمر بن الخطاب : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله بن عمر إلى عبد الملك أمير المؤمنين ! سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإنك راع وكل راع مسؤول عن رعيته ( الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا ) [ النساء : 86 ] لا أحد والسلام ( 2 ) . وبعث به مع سلام فوجدوا عليه إذ قدم اسمه على اسم أمير المؤمنين ، ثم نظروا في كتبه إلى معاوية فوجدوها كذلك ، فاحتملوا ذلك منه . وقال الواقدي : حدثني ابن أبي ميسرة عن أبي موسى الخياط عن أبي كعب قال : سمعت عبد الملك بن مروان يقول : يا أهل المدينة أنا أحق الناس أن يلزم الأمر الأول ، وقد سالت علينا أحاديث من قبل هذا المشرق ولا نعرفها ولا نعرف منها إلا قراءة القرآن ، فالزموا ما في مصحفكم الذي حملكم عليه الامام المظلوم ، وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم رحمه الله ، فإنه قد استشار في ذلك زيد بن ثابت ونعم المشير كان للاسلام رحمه الله ، فأحكما ما أحكما ، واستقصيا ما شذ عنهما . وقال ابن جريج عن أبيه : حج علينا عبد الملك سنة خمس وسبعين بعد مقتل ابن الزبير بعامين ( 3 ) ، فخطبنا فقال : أما بعد فإنه كان من قبلي من الخلفاء يأكلون من المال ويوكلون ، وإني والله لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف ( 4 ) ، ولست بالخليفة المستضعف - يعني
--> ( 1 ) تاريخ بغداد 10 / 388 . ( 2 ) في العقد الفريد نسخة كتاب عبد الله بن عمر إلى عبد الملك 2 / 262 وفيه : لعبد الملك بن مروان من عبد الله بن عمر سلام عليك فإني أقررت لك بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) وبيعة نافع مولاي على مثل ما بايعتك عليه . ( 3 ) في فوات الوفيات 2 / 403 : ولما قتل عمرو بن سعيد بن العاص خطب الناس فقال : ( انظر العقد الفريد 2 / 263 ) . ( 4 ) زيد في فوات الوفيات : حتى تستقيم لي قناتكم ، تكلفوننا أعمال المهاجرين الأولين ولا تعملون من أعمالهم ، فلن تزدادوا إلا اجتراحا ولن تزدادوا إلا عقوبة وهذا حكم السيف بيننا وبينكم .