ابن كثير
62
البداية والنهاية
قصيدة هجا فيها الحجاج وعبد الملك بن مروان ويمدح فيها ابن الأشعث وأصحابه - فاستنشده إياها فأنشده قصيدة طويلة دالية ( 1 ) ، فيها مدح كثير لعبد الملك وأهل بيته ، فجعل أهل الشام يقولون : قد أحسن أيها الأمير ، فقال الحجاج : إنه لم يحسن ، إنما يقول هذا مصانعة ، ثم ألح عليه حتى أنشده قصيدته الأخرى ( 2 ) ، فلما أنشدها غضب عند ذلك الحجاج وأمر به فضربت عنقه صبرا بين يديه . واسم الأعشى هذا عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث أبو المصبح الهمداني الكوفي الشاعر ، أحد الفصحاء البلغاء المشهورين ، وقد كان له فضل وعبادة في مبتداه ، ثم ترك ذلك وأقبل على الشعر فعرف به ، وقد وفد على النعمان بن بشير وهو أمير بحمص فامتدحه ، وكان محصوله في رحلته إليه منه ومن جند حمص أربعين ألف دينار ، وكان زوج أخت الشعبي ، كما أن الشعبي كان زوج أخته أيضا ، وكان ممن خرج مع ابن الأشعث ، فقتله الحجاج كما ذكرنا رحمه الله . وقد كان الحجاج وهو مواقف لابن الأشعث بعث كمينا يأتون جيش ابن الأشعث من ورائه ، ثم تواقف الحجاج وابن الأشعث وهرب الحجاج بمن معه وترك معسكره ، فجاء ابن الأشعث فاحتاز ما في المعسكر وبات فيه ، فجاءت السرية إليهم ليلا وقد وضعوا أسلحتهم فمالوا عليهم ميلة واحدة ، ورجع الحجاج بأصحابه فأحاطوا بهم فاقتتلوا قتالا شديدا ، وقتل من أصحاب ابن الأشعث خلق كثير وغرق خلق كثير منهم في دجلة ودجيل ، وجاء الحجاج إلى معسكرهم فقتل من وجده فيه ، فقتل منهم نحوا من أربعة آلاف ، منهم جماعة من الرؤساء والأعيان ، واحتازوه بكماله ، وانطلق ابن الأشعث هاربا في ثلاثمائة فركبوا دجيلا في السفن وعقروا دوابهم وجازوا إلى البصرة ، ثم ساروا من هنالك إلى بلاد الترك ، وكان في دخوله بلاد رتبيل ما تقدم ، ثم شرع الحجاج في تتبع أصحاب ابن الأشعث فجعل يقتلهم مثنى وفرادى ، حتى قيل إنه قتل منهم بين يديه صبرا مائة ألف وثلاثين ألفا ، قاله النضر بن شميل عن هشام بن حسان ، منهم محمد بن سعد بن أبي وقاص ، وجماعات من السادات الأخيار ، والعلماء الأبرار ، حتى كان آخرهم سعيد بن جبير رحمهم الله ورضي عنهم كما سيأتي ذلك في موضعه .
--> ( 1 ) ومنها في الطبري 8 / 32 ، وابن الأثير 4 / 489 . أبى الله إلا أن يتمم نوره * ويطفئ نور الفاسقين فيخمدا إلى قوله : وجدنا بني مروان خير أئمة * وأفضل هذي الناس حلما وسؤددا ( 2 ) وهي دالية أيضا وفيها يمدح ابن الأشعث ويحرض أهل الكوفة على القتال ومنها : وإذا سألت المجد أين محله * فالمجد بين محمد وسعيد بين الأشج وبين قيس باذخ * بخ بخ لوالده وللمولود فلما قال أعشى هذا البيت قال الحجاج : لا والله لا تبخبخ بعدها لاحد أبدا فقدمه فضرب عنقه .