ابن كثير

60

البداية والنهاية

الرحمن بن عباس ( 1 ) بن أبي ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وكان هو الذي يصلي بالناس هنالك في بلاد رتبيل ، ثم إن جماعة من الفل الذين هربوا من الحجاج اجتمعوا وساروا وراء ابن الأشعث ليدركوه فيكونوا معه - وهم قريب من ستين ألفا - فلما وصلوا إلى سجستان وجدوا ابن الأشعث قد دخل إلى عند رتبيل فتغلبوا على سجستان وعذبوا عاملها عبد الله بن عامر النعار ( 2 ) وإخوته وقرابته ، واستحوذوا على ما فيها من الأموال ، وانتشروا في تلك البلاد وأخذوها ، ثم كتبوا إلى ابن الأشعث : أن اخرج إلينا حتى نكون معك ننصرك على من يخالفك ، ونأخذ بلاد خراسان ، فإن بها جندا ومنعة كثيرة منا ، فنكون بها حتى يهلك الله الحجاج أو عبد الملك ، فنرى بعد ذلك رأينا . فخرج إليهم ابن الأشعث وسار بهم قليلا إلى نحو خراسان فاعتزله شرذمة من أهل العراق مع عبيد الله بن سمرة ( 3 ) ، فقام فيهم ابن الأشعث خطيبا فذكر غدرهم ونكولهم عن الحرب ، وقال : لا حاجة لي بكم ، وأنا ذاهب إلى صاحبي رتبيل فأكون عنده . ثم انصرف عنهم وتبعه طائفة منهم وبقي معظم الجيش . فلما انفصل عنهم ابن الأشعث بايعوا عبد الرحمن بن عباس ( 1 ) بن أبي ربيعة الهاشمي ، وساروا معه إلى خراسان فخرج إليهم أميرها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة ، فمنعهم من دخول بلاده ، وكتب إلى عبد الرحمن بن عباس ( 4 ) يقول له : إن في البلاد متسعا فاذهب إلى أرض ليس بها سلطان فإني أكره قتالك ، وإن كنت تريد مالا بعثت إليك . فقال له : إنا لم نجئ لقتال أحد ، وإنما جئنا نستريح ونريح خيلنا ثم نذهب وليست بنا حاجة إلى شئ مما عرضت . ثم أقبل عبد الرحمن على أخذ الخراج مما حوله من البلاد من كور خراسان ، فخرج إليه يزيد بن المهلب ومعه أخوه المفضل في جيوش كثيفة ، فلما صادفوهم ( 5 ) اقتتلوا غير كثير ثم انهزم أصحاب عبد الرحمن بن عباس ، وقتل يزيد منهم مقتلة كبيرة ، واحتاز ما في معسكره ، وبعث بالأسارى ( 6 ) وفيهم محمد بن سعد بن أبي وقاص إلى الحجاج ، ويقال إن محمد بن سعد قال ليزيد بن المهلب : أسألك بدعوة أبي لأبيك لما أطلقتني ، فأطلقه . قال ابن جرير : ولهذا الكلام خبر فيه طول ، ولما قدمت الأسارى على الحجاج قتل أكثرهم وعفا عن بعضهم ، وقد كان الحجاج يوم ظهر على ابن الأشعث نادى مناديه في الناس : من رجع فهو

--> ( 1 ) في الأصل عياش تحريف . وقد تقدم . ( 2 ) في الطبري : البعار . ( 3 ) في الطبري 8 / 29 : عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة القرشي ، وخرج في ألفين وفارقوا ابن الأشعث ( انظر ابن الأثير 4 / 486 ) . ( 4 ) في الأصل عياش تحريف . وفي ابن الأعثم 7 / 153 أن الأشعث عقد له وضم إليه أصحابه وأمره بمحاربة يزيد بن المهلب ، فخرج في ستين ألفا لمقاتلته . ( 5 ) في ابن الأعثم 7 / 153 : وافاهم بمكان يقال له المنعرج . ( 6 ) في الفتوح : أما اليمانية فأطلقهم يزيد بن المهلب ، وأما المضرية فشدهم في الحديد ووجههم إلى الحجاج .