ابن كثير

379

البداية والنهاية

الناس ! إني قد كنت أمرت في أمهات الأولاد بأمر قد علمتموه ، ثم حدث رأي غير ذلك ، فأيما امرئ كان عنده أم ولد فملكها بيمينه ما عاش ، فإذا مات فهي حرة لا سبيل له عليها . فقال لي عبد الملك : من أنت ؟ قلت أنا محمد بن مسلم بن عبيد بن شهاب ، فقال : أما والله إن كان أبوك لأبا نعارا في الفتنة مؤذيا لنا فيها . قال الزهري فقلت : يا أمير المؤمنين قل كما قال العبد الصالح : ( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ) [ يوسف : 92 ] فقال : أجل ! ( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ) قال : فقلت : يا أمير المؤمنين افرض لي فإني منقطع من الديوان ، فقال : إن بلدك ما فرضنا فيه لاحد منذ كان هذا الامر . ثم نظر إلى قبيصة وأنا وهو قائمان بين يديه ، فكأنه أوما إليه أن افرض له ، فقال : قد فرض إليك أمير المؤمنين ، فقلت : إني والله ما خرجت من عند أهلي إلا وهم في شدة وحاجة ما يعلمها إلا الله ، وقد عمت الحاجة أهل البلد . قال : قد وصلك أمير المؤمنين . قال قلت : يا أمير المؤمنين وخادم يخدمنا ، فإن أهلي ليس لهم خادم إلا أختي ، فإنها الآن تعجن وتخبز وتطحن قال : قد أخدمك أمير المؤمنين . وروى الأوزاعي عن الزهري أنه روى أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " . فقلت للزهري : ما هذا ؟ فقال : من الله العلم ، وعلى رسوله البلاغ ، وعلينا التسليم ، أمروا أحاديث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كما جاءت . وعن ابن أخي ابن شهاب عن عمه قال : ( 2 ) كان عمر بن الخطاب يأمر برواية قصيدة لبيد بن ربيعة التي يقول فيها : إن تقوى ربنا خير نفل * وبإذن الله ريثي والعجل أحمد الله فلا ند له * بيديه الخير ما شاء فعل من هداه سبل الخير اهتدى * ناعم البال ومن شاء أضل وقال الزهري : دخلت على عبيد الله بن عبد الله بن عتبة منزلة فإذا هو مغتاظ ينفخ ، فقلت : مالي أراك هكذا ؟ فقال : دخلت على أميركم آنفا - يعني عمر بن عبد العزيز - ومعه عبد الله بن عمرو بن عثمان فسلمت عليهما فلم يردا علي السلام ، فقلت : لا تعجبا أن تؤتيا فتكلما * فما حشى الأقوام شرا من الكبر ومسا تراب الأرض منه خلقتما * وفيها المعاد والمصير إلى الحشر فقلت : يرحمك الله ! ! مثلك في فقهك وفضلك وسنك تقول الشعر ؟ ! فقال : إن المصدور إذا نفث برأ . وجاء شيخ إلى الزهري فقال : حدثني ، فقال : إنك لا تعرف اللغة ، فقال الشيخ : لعلي أعرفها ، فقال : فما تقول في قول الشاعر : صريع ندامى يرفع الشرب رأسه * وقد مات منه كل عضو ومفصل ؟