ابن كثير
362
البداية والنهاية
فإنكم لستم في دين ولا عز ولا دنيا ، ثم لما أمسوا انضاف إليه جماعة من أهل الكوفة ، وقد قتل بعض أصحابه في أول يوم ، فلما كان اليوم الثاني اقتتل هو وطائفة من أهل الشام فقتل منهم سبعين رجلا ، وانصرفوا عنه بشر حال ، وأمسوا فعبأ يوسف بن عمر جيشه جدا ، ثم أصبحوا فالتقوا مع زيد فكشفهم حتى أخرجهم إلى السبخة ، ثم شد عليهم حتى أخرجهم إلى بني سليم ، ثم تبعهم في خيله ورجله حتى أخذوا على الساه ( 1 ) ، ثم اقتتلوا هناك قتالا شديدا جدا ، حتى كان جنح الليل رمي زيد بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى ، فوصل إلى دماغه ، فرجع ورجع أصحابه ، ولا يظن أهل الشام أنهم رجعوا إلا لأجل المساء والليل ، وأدخل زيد في دار في سكة البريد ، وجئ بطبيب فانتزع ذلك السهم من جبهته ، فما عدا أن انتزعه حتى مات من ساعته رحمه الله . فاختلف أصحابه أين يدفنونه ، فقال بعضهم : ألبسوه درعه وألقوه في الماء ، وقال بعضهم : احتزوا رأسه واتركوا جثته في القتلى ، فقال ابنه : لا والله لا تأكل أبي الكلاب . وقال بعضهم : ادفنوه في العباسية ، وقال بعضهم : ادفنوه في الحفرة التي يؤخذ منها الطين ( 2 ) ، ففعلوا ذلك وأجروا على قبره الماء لئلا يعرف ، وانفتل أصحابه حيث لم يبق لهم رأس يقاتلون به ، فما أصبح الفجر ولهم قائمة ينهضون بها ، وتتبع يوسف بن عمر الجرحى هل يجد زيدا بينهم ، وجاء مولى لزيد سندي قد شهد دفنه فدل على قبره فأخذ من قبره ، فأمر يوسف بن عمر بصلبه على خشبة بالكناسة ، ومعه نضر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري ، وزياد النهدي ، ويقال إن زيدا مكث مصلوبا أربع سنين ، ثم أنزل بعد ذلك وأحرق فالله أعلم . وقد ذكر أبو جعفر بن جرير الطبري : أن يوسف بن عمر لم يعلم بشئ من ذلك حتى كتب له هشام بن عبد الملك : إنك لغافل ، وإن زيد بن علي غارز ذنبه بالكوفة يبايع له ، فألح في طلبه واعطه الأمان ، وإن لم يقبل فقاتله ، فتطلبه يوسف حتى كان من أمره ما تقدم ، فلما ظهر على قبره حز رأسه وبعثه إلى هشام ، وقام من بعده الوليد بن يزيد فأمر به فأنزل وحرق في أيامه قبح الله الوليد بن يزيد . فأما ابنه يحيى بن زيد بن علي فاستجار بعبد الملك بن بشر بن مروان ، فبعث إليه يوسف بن عمر يتهدده حتى يحضره ، فقال له عبد الملك بن بشر : ما كنت لآوي مثل هذا الرجل وهو عدونا وابن عدونا . فصدقه يوسف بن عمر في ذلك ، ولما هدأ الطلب عنه سيره إلى خراسان فخرج يحيى بن زيد في جماعة من الزيدية إلى خراسان فأقاموا بها هذه المدة . قال أبو مخنف : ولما قتل زيد خطب يوسف بن عمر أهل الكوفة فتهددهم وتوعدهم وشتمهم
--> ( 1 ) في الطبري 8 / 275 : المسناة . ( 2 ) في ابن الأعثم 8 / 122 : دفن في السبخة . وفي مروج الذهب 3 / 251 : دفن في ساقية ماء وجعلوا على قبره التراب والحشيش وأجري الماء على ذلك .