ابن كثير
359
البداية والنهاية
كثيرة ، وقتلوا أنعاما كثيرة ، فلما أصبح أمر نصر بإحراقه لئلا يأخذوا جثته ، فكان حريقه أشد عليهم من قتله ، وانصرفوا خائبين صاغرين خاسرين ، ثم كر نصر على بلادهم فقتل منهم خلقا وأسر أمما لا يحصون كثرة ، وكان فيمن حضر بين يديه عجوز كبيرة جدا من الأعاجم أو الأتراك ، وهي من بيت مملكة ، فقالت لنصر بن سيار : كل ملك لا يكون عنده ستة أشياء فهو ليس بملك ، وزير صادق يفصل خصومات الناس ويشاوره ويناصحه ، وطباخ يصنع له ما يشتهيه ، وزوجة حسناء إذا دخل عليها مغتما فنظر إليها سرته وذهب غمه وحصن منيع إذا فزع رعاياه لجأوا إليه فيه ، وسيف إذا قارع به الاقران لم يخش خيانته ، وذخيرة إذا حملها فأين ما وقع من الأرض عاش بها . وحج بالناس فيها محمد بن هشام بن إسماعيل نائب مكة والمدينة والطائف ، ونائب العراق يوسف بن عمر ، ونائب خراسان نصر بن سيار ، وعلى أرمينية مروان بن محمد . ذكر من توفي فيها من الأعيان : زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب والمشهور أنه قتل في التي بعدها كما سيأتي بيانه إن شاء الله . مسلمة بن عبد الملك ابن مروان القرشي الأموي ، أبو سعيد وأبو الأصبغ الدمشقي ، قال ابن عساكر : وداره بدمشق في حجلة القباب عند باب الجامع القبلي ، ولي الموسم أيام أخيه الوليد ، وغزا الروم غزوات وحاصر القسطنطينية ، وولاه أخوه يزيد إمرة العراقين ، ثم عزله وتولى أرمينية . وروى الحديث عن عمر بن عبد العزيز ، وعنه عبد الملك بن أبي عثمان ، وعبيد الله بن قزعة ، وعيينة والد سفيان بن عيينة وابن أبي عمران ، ومعاوية بن خديج ، ويحيى بن يحيى الغساني . قال الزبير بن بكار : كان مسلمة من رجال بني أمية ، وكان يلقب بالجرادة الصفراء ، وله آثار كثيرة ، وحروب ونكاية في العدو من الروم وغيرهم . قلت : وقد فتح حصونا كثيرة من بلاد الروم . ولما ولي أرمينية غزا الترك فبلغ باب الأبواب فهدم المدينة التي عنده ، ثم أعاد بناءها بعد تسع سنين . وفي سنة ثمان وتسعين غزا القسطنطينية فحاصرها وافتتح مدينة الصقالبة ، وكسر ملكهم البرجان ، ثم عاد إلى محاصرة القسطنطينية . قال الأوزاعي : فأخذه وهو يغازيهم صداع عظيم في رأسه ، فبعث ملك الروم إليه بقلنسوة وقال : ضعها على رأسك يذهب صداعك ، فخشي أن تكون مكيدة فوضعها على رأس بهيمة فلم ير إلا خيرا ، ثم وضعها على رأس بعض أصحابه فلم ير إلا خيرا ، فوضعها على رأسه فذهب صداعه ، ففتقها فإذا فيها سبعون سطرا هذه الآية ( إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ) [ فاطر : 41 ] الآية مكررة لا غير ، رواه ابن عساكر .