ابن كثير

347

البداية والنهاية

عبد العزيز استعمل ميمون بن مهران على الجزيرة وعلى قضائها وخراجها ، فمكث حينا ثم كتب إلى عمر يستعفيه عن ذلك ، وقال : كلفتني ما لا أطيق ، أقضي بين الناس وأنا شيخ كبير ضعيف رقيق فكتب إليه عمر : أجب من الخراج الطيب ( 1 ) ، واقض بما استبان لك ، فإذا التبس عليك أمر فارفعه إلى ، فإن الناس لو كان إذا كبر عليهم أمر تركوه ما قام لهم دين ولا دنيا . وقال قتيبة بن سعيد : حدثنا كثير بن هشام ، حدثنا جعفر بن برقان قال : سمعت ميمون بن مهران يقول : إن العبد إذا أنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء ، فإذا تاب محيت من قلبه فترى قلب المؤمن مجليا مثل المرآة ، ما يأتيه الشيطان من ناحية إلا أبصره ، وأما الذي يتتابع في الذنوب فإنه كلما أذنب نكتت في قلبه نكته سوداء حتى يسود قلبه فلا يبصر الشيطان من أين يأتيه . وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن ثابت ، حدثنا جعفر عن ميمون قال : ما أقل أكياس الناس : ألا يبصر الرجل أمره حتى ينظر إلى الناس وإلى أدوابه ، وإلى ما قد أكبوا عليه من الدنيا ، فيقول : ما هؤلاء إلا أمثال الأباعر ، لا هم لها إلا ما تجعل في أجوافها ، حتى إذا أبصر غفلتهم نظر إلى نفسه فقال : والله إني لأراني من شرهم بعيرا واحدا . وبهذا الاسناد عنه : ما من صدقة أفضل من كلمة حق عند إمام جائر . وقال : لا تعذب المملوك ولا تضر به على كل ذنب ، ولكن احفظ ذلك له ، فإذا عصى الله عز وجل فعاقبه على معصية الله وذكره الذنوب التي أذنب بينك وبينه . وقال قتيبة : حدثنا جعفر بن برقان ، سمعت ميمون بن مهران يقول : لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه ، حتى يعلم من أين مطعمه ، ومن أين مشربه ( 2 ) ، أمن حلال ذلك أم من حرام ؟ . وقال أبو زرعة الدارمي : حدثنا سعيد بن حفص النفيلي ، حدثنا أبو المليح ، عن ميمون قال : الفاسق بمنزلة السبع فإذا كلمت فيه فخليت سبيله فقد خليت سبعا على المسلمين . وقال جعفر بن برقان : قلت لميمون بن مهران : إن فلانا يستبطئ نفسه في زيارتك ، قال : إذا ثبتت المودة في القلوب فلا بأس وإن طال المكث . وقال أحمد : حدثنا ميمون الرقي حدثنا الحسن أبو المليح عن ميمون قال : لا تجد غريما أهون عليك من بطنك أو ظهرك . وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا عبد الله بن الميمون ، حدثنا الحسن ، عن حبيب بن أبي مرزوق قال : رأيت على ميمون جبة صوف تحت ثيابه فقلت له : ما هذا ؟ قال : نعم ! فلا تخبر به أحدا . وقال عبد الله بن أحمد : حدثني يحيى بن عثمان ، حدثنا أبو المليح ، عن ميمون قال : من أساء سرا فليتب سرا ، ومن أساء علانية فليتب علانية ، فإن الله يغفر ولا يعير ، وإن الناس يعيرون ولا يغفرون .

--> ( 1 ) في طبقات ابن سعد 7 / 478 : إنما هو درهم تأخذه من حقه وتضعه في حقه فما استعفاؤك من هذا ؟ ( 2 ) زيد في صفة الصفوة 4 / 194 : ومن أين ملبسه .