ابن كثير
34
البداية والنهاية
الجنة ، فجاء الحسن فطرق عليه بابه فلم يفتح ، فقال له : افتح فإني أنا الحسن ، فلما سمع صوت الحسن فتح له ، فقال له الحسن : يا أخي الجنة وما الجنة للمؤمن ، إن للمؤمن عند الله ما هو أفضل من الجنة ، فقاتل أنت نفسك ؟ فلم يزل به حتى أكل وشرب وقصر عما كان فيه قليلا . وروى ابن أبي الدنيا عنه أنه أتاه آت في مقامه فأخذ بناصيته وقال : يا غلام قم فاذكر الله يذكرك . فما زالت تلك الشعرات التي أخذ بها قائمة حتى مات ، وقد قيل : إنه كان يرفع له إلى الله كل يوم من العمل الصالح بقدر أعمال خلق كثير من الناس كما رأى ذلك بعض أصحابه في المنام . وقال العلاء : نحن قوم وضعنا أنفسنا في النار فإن شاء الله أن يخرجنا منها أخرجنا . وقال : كان رجل يرائي بعمله فجعل يشمر ثيابه ويرفع صوته إذا قرأ ، فجعل لا يأتي على أحد إلا سبه ، ثم رزقه الله الاخلاص واليقين فخفض من صوته وجعل صلاحه بينه وبين الله ، فجعل لا يأتي على أحد بعد ذلك إلا دعا له بخير . سراقة بن مرادس الأذدي كان شاعرا مطبقا ، هجا الحجاج فنفاه إلى الشام فتوفي بها . النابغة الجعدي الشاعر . السائب بن يزيد الكندي ، توفي في هذه السنة . سفيان بن سلمة الأسدي . معاوية بن قرة البصري . زر بن حبيش . ثم دخلت سنة تسع وسبعين ففيها وقع طاعون عظيم بالشام حتى كادوا يفنون من شدته ، ولم يغز فيها أحد من أهل الشام لضعفهم وقلتهم ، ووصلت الروم فيها أنطاكية فأصابوا خلقا من أهلها لعلمهم بضعف الجنود والمقاتلة . وفيها غزا عبيد الله بن أبي بكرة رتبيل ملك الترك حتى أوغل في بلاده . ثم صالحه على مال يحمله إليه في كل سنة ، وفيها قتل عبد الملك بن مروان الحارث بن سعيد المتنبئ الكذاب ، ويقال له الحارث بن عبد الرحمن بن سعيد الدمشقي ، مولى أبي الجلاس العبدري ، ويقال مولى الحكم بن مروان ، كان أصله من الجولة فنزل دمشق وتعبد بها وتنسك وتزهد ثم مكر به ورجع القهقرى على عقبيه ، وانسلخ من آيات الله تعالى ، وفارق حزب الله المفلحين ، واتبع الشيطان فكان من الغاوين ولم يزل الشيطان يزج في قفاه حتى أخسره دينه ودنياه ، وأخزاه وأشقاه . فإنا لله وحسبنا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله . قال أبو بكر بن أبي خيثمة : ثنا عبد الوهاب نجدة الجولي ، حدثنا محمد بن مبارك ، ثنا الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن حسان قال : كان الحارث الكذاب من أهل دمشق ، وكان مولى لأبي الجلاس ، وكان له أب بالجولة ، فعرض له إبليس ، وكان رجلا متعبدا زاهدا لو لبس جبة من ذهب لرؤيت عليه الزهادة والعبادة ، وكان إذا أخذ بالتحميد لم يسمع السامعون مثل تحميده ولا أحسن من كلامه ، فكتب إلى أبيه وكان بالجولة : يا أبتاه أعجل علي فإني قد رأيت أشياء أتخوف أن يكون الشيطان قد عرض لي ، قال فزاده أبوه غيا على غيه ، فكتب إليه أبوه : يا بني أقبل على ما أمرت