ابن كثير
332
البداية والنهاية
نساء المسلمين ، ومن أهل الذمة أيضا ، وقتل من الترك مقتلة عظيمة جدا ، وأسر منهم خلقا كثيرا فقتلهم صبرا ، وشفى ما كان تغلث من القلوب ، ولم يكتف الخليفة بذلك حتى أرسل أخاه مسلمة بن عبد الملك في أثر الترك ، فسار إليهم في برد شديد وشتاء عظيم ، فوصل إلى باب الأبواب واستخلف عنه أميرا وسار هو بمن معه في طلب الأتراك وملكهم خاقان ، وكان من أمره معهم ما سنذكره . ونهض أمير خراسان في طلب الأتراك أيضا في جيش كثيف ، فوصل إلى نهر بلخ ووجه إليهم سرية ثمانية عشر ألفا ، وأخرى عشرة آلاف يمنة ويسرة ، وجاشت الترك وجيشت ، فأتوا سمرقند فكتب أميرها ( 1 ) إليه يعلمه بهم ، وأنه لا يقدر على صون سمرقند منهم ، ومعهم ملكهم الأعظم خاقان ، فالغوث الغوث . فسار الجنيد مسرعا في جيش كثيف هو نحو سمرقند حتى وصل إلى شعب سمرقند وبقي بينه وبينها أربعة فراسخ ، فصحبه خاقان في جمع عظيم ، فحمل خاقان على مقدمة الجنيد فانحازوا إلى العسكر والترك تتبعهم من كل جانب ، فتراءى الجمعان والمسلمون يتغدون ولا يشعرون بانهزام مقدمتهم وانحيازها إليهم ، فنهضوا إلى السلاح واصطفوا على منازلهم ، وذلك في مجال واسع ، ومكان بارز ، فالتقوا وحملت الترك على ميمنة المسلمين وفيها بنو تميم والأزد ، فقتل منهم ومن غيرهم خلق كثير ، ممن أراد الله كرامته بالشهادة ، وقد برز بعض شجعان المسلمين لجماعة من شجعان الترك فقتلهم ، فناداه منادي خاقان : إن صرت إلينا جعلناك ممن يرقص الصنم الأعظم فنعبدك ، فقال : ويحكم ، إنما أقاتلكم على أن تعبدوا الله وحده لا شريك له ، ثم قاتلهم حتى قتل رحمه الله . ثم تناخى المسلمون وتداعت الابطال والشجعان من كل مكان ، وصبروا وصابروا ، وحملوا على الترك حملة رجل واحد ، فهزمهم الله عز وجل ، وقتلوا منهم خلقا كثيرا ، ثم عطفت الترك عليهم فقتلوا من المسلمين خلقا حتى لم يبق سوى ألفين ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وقتل يومئذ سودة بن الحر ( 1 ) واستأسروا من المسلمين جماعة كثيرة فحملوهم إلى الملك خاقان فأمر بقتلهم عن آخرهم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون وهذه الوقعة يقال لها وقعة الشعب . وقد بسطها ابن جرير جدا . وممن توفي فيها من الأعيان : رجاء بن حياة الكندي أبو المقدام ، ويقال أبو نصر ، وهو تابعي جليل ، كبير القدر ، ثقة فاضل عادل ، وزير صدق لخلفاء بني أمية ، وكان مكحول إذا سئل يقول : سلوا شيخنا وسيدنا رجاء بن حياة ، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة ووثقوه في الرواية ، وله روايات وكلام حسن رحمه الله .
--> ( 1 ) في الطبري 8 / 206 وابن الأثير 5 / 162 : أميرها سورة بن الحر . ( 2 ) من الطبري وابن الأثير ، وفي الأصل : أبجر