ابن كثير
328
البداية والنهاية
الأفيال والخيل الخمر وقال : طأوهم بالأفيال ، وإلا فما أبقت الأفيال فلتطأه الخيل ، فما أخطأنه الخيل فلتطأه الرجال فلما سمع بذلك أهل تلك القرية وعرفوا أنه قد قصدهم لذلك ، خرجوا بأجمعهم فجأروا إلى الله سبحانه وعجوا إليه وابتهلوا يدعونه تعالى ليكشف عنهم شر هذا الملك الظالم ، وما قصده هلاكهم . فبينما الملك وجيشه سائرون على ذلك ، وأهل القرية في الابتهال والدعاء والتضرع إلى الله تعالى ، إذ نزل فارس من السماء فوقع بينهم ، فنفرت الأفيال فطغت على الخيل وطغت الخيل على الرجال ، فقتل الملك ومن معه وطأ بالأفيال والخيل ، ونجى الله أهل تلك القرية من بأسهم وشرهم . وروى عبد الرزاق عن المنذر بن النعمان أنه سمع وهبا يقول : قال الله تعالى لصخرة بيت المقدس : لأضعن عليك عرشي ، ولأحشرن عليك خلقي ، وليأتينك داود يومئذ راكبا . وروى سماك بن المفضل عن وهب قال : إني لا تفقد أخلاقي وما فيها شئ يعجبني . وروى عبد الرزاق عن أبيه قال قال وهب : ربما صليت الصبح بوضوء العتمة . وقال بقية بن الوليد : حدثنا زيد بن خالد عن خالد بن معدان عن وهب قال : كان نوح عليه السلام من أجمل أهل زمانه ، وكان يلبس البرقع فأصابهم مجاعة في السفينة ، فكان نوح إذا تجلى لهم شبعوا . وقال : قال عيسى : الحق أقول لكم : إن أشدكم جزعا على المصيبة أشدكم حبا للدنيا . وقال جعفر بن برقان : بلغنا أن وهبا كان يقول : طوبى لمن نظر في عيبه عن عيب غيره ، وطوبى لمن تواضع لله من غير مسكنة ، ورحم أهل الذل والمسكنة ، وتصدق من مال جمعه من غير معصية ، وجالس أهل العلم والحلم والحكمة ، ووسعته السنة ولم يتعدها إلى البدعة . وروى سيار عن جعفر ، عن عبد الصمد بن معقل عن وهب قال : وجدت في زبور داود : يا داود هل تدري من أسرع الناس مرا على الصراط ؟ الذين يرضون بحكمي ، وألسنتهم رطبة بذكري . وقيل إن عابدا عبد الله تعالى خمسين سنة فأوحى الله إلى نبيهم : إني قد غفرت له ، فأخبره ذلك النبي ، فقال : أي رب ، وأي ذنب تغفر لي ؟ فأمر عرقا في عنقه فضرب عليه ، فلم ينم ولم يهدأ ولم يصل ليلته ، ثم سكن العرق ، فشكا ذلك إلى النبي ، فقال : ما لاقيت من عرق ضرب علي في عنقي ثم سكن . فقال له النبي : إن الله يقول : إن عبادتك خمسين سنة ما تعدل سكون هذا العرق . وقال وهب : رؤوس النعم ثلاثة " إحداها " نعمة الاسلام التي لا تتم نعمة إلا بها . " والثانية " نعمة العافية التي لا تطيب الحياة إلا بها . " والثالثة " نعمة الغنى التي لا يتم العيش إلا بها . ومر وهب بمبتلى أعمى مجذوم مقعد عريان به وضح وهو يقول : الحمد لله على نعمه ، فقال له رجل كان مع وهب : أي شئ بقي عليك من النعمة تحمد الله عليه ؟ فقال المبتلى : أدم بصرك إلى أهل المدينة وانظر إلى كثرة أهلها ، أولا أحمد الله أنه ليس فيها أحد يعرفه غيري ؟ . وقال وهب : المؤمن يخالط ليعلم ، ويسكت ليسلم ، ويتكلم ليفقههم ، ويخلو ليقيم . وقال : المؤمن مفكر مذكر مدخر ، تذكر فغلبته السكينة ، سكن فتواضع فلم يتهم ، رفض الشهوات فصار حرا ، ألقى عنه الحسد فظهرت له المحبة ، زهد في كل فإن فاستكمل العقل ، رغب في كل باق