ابن كثير

325

البداية والنهاية

اعتدوا عليه ، ثم أحكم لمن وهبهم بالخلد المقيم ، اتهموا فضلي وكرمي ، أنا الديان الذي لا تحل معصيتي ، والذي أطاعني أطاعني برحمتي ، ولا حاجة لي بهوان من خاف مقامي . ولو رآني عبادي يوم القيامة كيف أرفع قصورا تحار فيها الابصار فيسألوني : لمن ذا ؟ فأقول : لمن وهب لي ذنبا ما لم يوجب على نفسه معصيتي والقنوط من رحمتي ، وإني مكافئ على المدح فامدحوني . وقال سلمة بن شبيب : حدثنا سلمة بن عاصم ، حدثنا عبد الله بن محمد بن عقبة ، حدثنا عبد الرحمن أبو طالوت حدثني مهاجر الأسدي عن وهب . قال : مر عيسى بن مريم ومعه الحواريون بقرية قد مات أهلها ، إنسها وجنها ، وهو أمها وأنعامها وطيورها ، فقام عليها ينظر إليها ساعة ثم أقبل على أصحابه فقال : إنما مات هؤلاء بعذاب من عند الله ، ولولا ذلك لماتوا متفرقين . ثم ناداهم عيسى : يا أهل القرية ، فأجابه مجيب : لبيك يا روح الله ، فقال : ما كانت جنايتكم وسبب هلاككم ؟ قال عبادة الطاغوت وحب الدنيا ، قال : وما كانت عبادتكم للطاغوت ؟ قال : طاعة أهل المعاصي هي عبادة الطاغوت . قال : وما كان حبكم للدنيا ؟ قال : كحب الصبي لامه ، كنا إذا أقبلت فرحنا ، وإذا أدبرت حزنا ، مع أمل بعيد ، وإدبار عن طاعة الله ، وإقبال على مساخطه . قال : فكيف كان هلاككم ؟ قال : بتنا ليلة في عافية وأصبحنا في هاوية ، قال : وما الهاوية ؟ قال : سجين ، قال : وما السجين ؟ قال : جمرة من نار مثل أطباق الدنيا كلها دفنت أرواحنا فيها ، قال : فما بال أصحابك لا يتكلمون ؟ قال : لا يستطيعون أن يتكلموا . قال : وكيف ذلك ؟ قال : هم ملجمون بلجم من نار . قال : وكيف كلمتني أنت من بينهم ؟ قال : كنت فيهم لما أصابهم العذاب ولم أكن منهم ولا على أعمالهم ، فلما جاء البلاء عمني معهم ، وأنا معلق بشعرة في الهاوية لا أدري أكردس ( 1 ) فيها أم أنجو . فقال عيسى عليه السلام عند ذلك لأصحابه : بحق أقول لكم : لخبز الشعير وشرب الماء القراح والنوم على المزابل كثير مع عافية الدنيا والآخرة . وروى الطبراني عنه أنه قال : لا يكون المرء حكيما حتى يطيع الله عز وجل ، وما عصى الله حكيم ، ولا يعصى الله إلا أحمق ، وكما لا يكمل النهار إلا بالشمس ، ولا يعرف الليل إلا بالظلام ، كذلك لا تكمل الحكمة إلا بطاعة الله عز وجل ، ولا يعصى الله حكيم ، كما لا يطير الطير إلا بجناحين ، ولا يستطيع من لا جناح له أن يطير ، كذلك لا يطيع الله من لا يعمل له ، ولا يطيق عمل الله من لا يطيعه . وكما لا مكث للنار في الماء حتى تطفأ ، كذلك لا مكث لعمل الرياء حتى يبور . وكما يبدي سر الزانية وفضيحتها فعلها ، كذلك يفتضح بالفعل السئ من كان يقرأ لجليسه بالقول الحسن ولم يعمل به . وكما تكذب معذرة السارق بالسرقة إذا ظهر عليها عنده ، كذلك تكذب معصية القارئ لله قراءته إذا كان يقرأها لغير الله تعالى .

--> ( 1 ) أكردس فيها : أمشي وأنا مقارب الخطو كالمقيد .