ابن كثير
322
البداية والنهاية
ولا سيما من بعد فتنة تمرلنك ؟ فإن القلوب قد امتلأت بحب الدنيا ، فلا يجد العلم فيها موضعا ، فجالس من شئت منهم لتنظر مبادئ مجالستهم وغاياتها ، ولا تستخفك البدوات ، فإنما الأمور بعواقبها وخواتيمها ونتائجها ، وغاياتها . ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) [ الطلاق : 2 - 3 ] وقال وهب : البلاء للمؤمن كالشكال للدابة . وقال أبو بلال الأشعري : عن أبي شهاب الصنعاني ، عند عبد الصمد ، عن وهب قال : من أصيب بشئ من البلاء فقد سلك به طريق الأنبياء . وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا عبد الرزاق قال : أنبأنا منذر قال : سمعت وهبا يقول : قرأت في كتاب رجل من الحواريين : إذا سلك بك طريق - أو قال سبيل - أهل البلاء فطب نفسا ، فقد سلك بك طريق الأنبياء والصالحين . وقال الإمام أحمد : حدثنا أحمد بن جعفر ، حدثنا إبراهيم بن خالد ، حدثني أمية بن شبل ، عن عثمان بن بزدويه قال : كنت مع وهب وسعيد بن جبير يوم عرفة تحت نخيل ابن عامر ، فقال وهب لسعيد : يا أبا عبد الله ! كم لك منذ خفت من الحجاج ؟ قال : خرجت عن امرأتي وهي حامل فجاءني الذي في بطنها وقد خرج [ شعر ] وجهه ، فقال له وهب : إن من كان قبلكم كان إذا أصابه بلاء عده رجاء ، وإذا أصابه رجاء عده بلاء . وروى عبد الله بن أحمد بسنده عن وهب قال : قرأت في بعض الكتب : ليس من عبادي من سحر أو سحر له ، أو تكهن أو تكهن له ، أو تطير أو تطير له ، فمن كان كذلك فليدع غيري ، فإنما هو أنا وخلقي كلهم لي . وقال الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم بن خالد ، حدثنا رباح ، عن جعفر بن محمد ، عن التيمي ، عن وهب أنه قال : دخول الجمل في سم الخياط أيسر من دخول الأغنياء الجنة . قلت : هذا إنما هو لشدة الحساب وطول وقوف الأغنياء في الكرب ، كما قد ضربت الأمثال للشدائد . والله سبحانه وتعالى أعلم . وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق : حدثنا بكار قال سمعت وهبا يقول : ترك المكافأة من التطفيف . وقال الإمام أحمد : حدثنا الحجاج وأبو النصر : قالا : حدثنا محمد بن طلحة ، عن محمد بن جحادة عن وهب قال : من يتعبد يزدد قوة ، ومن يتكسل يزدد فترة . وقد قال غيره : إن حوراء جاءته في المنام في ليلة باردة فقالت له : قم إلى صلاتك فهي خير لك من نومة توهن بدنك . ورأيت في ذلك حديثا لم يحضرني الآن . وهذا أمر مجرب أن العبادة تنشط البدن وتلينه ، وأن النوم يكسل البدن فيقسيه ، وقد قال بعض السلف لما تبع ضلة ابن أشيم حين دخل تلك الغيضة ، وأنه قام ليلته إلى أن أصبح ، قال فأصبح كأنه بات على الحشايا ، وأصبحت ولي من الكسل والفتور ما لا يعلمه إلا الله عز وجل . وقد قيل للحسن : ما بال المتعبدين أحسن الناس وجوها ؟ قال : لأنهم خلوا بالجليل فألبسهم نورا من نوره وقال يحيى بن أبي كثير : والله ما رجل يخلو بأهله عروسا أقر ما كانت نفسه وآنس ، بأشد سرورا منهم بمناجاة ربهم تعالى إذا خلوا به . وقال عطاء الخراساني : قيام الليل محياة للبدن ،