ابن كثير

303

البداية والنهاية

وما الدنيا بباقية لحي * ولا حي على الدنيا بباق وبهذا البيت في آخر النهار : يسر الفتى ما كان قدم من تقى * إذا عرف الداء الذي هو قاتله ولد الحسن في خلافة عمر بن الخطاب وأتى به إليه فدعا له وحنكه . ومات بالبصرة في سنة عشر ومائة والله سبحانه وتعالى أعلم . محمد بن سيرين أبو بكر بن أبي عمرو الأنصاري ، مولى أنس بن مالك النضري ، كان أبوه من سبي عين التمر أسره في جملة السبي خالد بن الوليد فاشتراه أنس ثم كاتبه . وقد ولد له من الأخيار جماعة ، محمد ، هذا ، وأنس بن سيرين ، ومعبد ، ويحيى ، وحفصة ، وكريمة ، وكلهم تابعيون ثقات أجلاء ، رحمهم الله تعالى . قال البخاري : ولد محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان . وقال هشام بن حسان : هو أصدق من أدركت من البشر . وقد تقدم هذا كله فيما ذكره المؤلف . كان ابن سيرين إذا ذكر عنده رجل بسوء ذكره بأحسن ما يعلم . وقال خلف بن هشام : كان محمد بن سيرين قد أعطى هديا وسمتا وخشوعا ، وكان الناس إذا رأوه ذكروا الله . ولما مات أنس بن مالك أوصى أن يغسله محمد بن سيرين - وكان محمد محبوسا - فقالوا له في ذلك ، فقال : أنا محبوس فقالوا : قد استأذنا الأمير في إخراجك ، قال : إن الأمير لم يحبسني ، إنما حبسني من له الحق ، فأذن له صاحب الحق فغسله . وقال يونس : ما عرض لمحمد بن سيرين أمران إلا أخذ بأوثقهما في دينه ، وقال : إني لاعلم الذنب الذي حملت بسببه ، إني قلت يوما لرجل : يا مفلس ، فذكر هذا لأبي سليمان الداراني فقال : قلت ذنوبهم فعرفوا من أين أتوا . ومثلنا قد كثرت ذنوبنا فلم ندر من أين نؤتي ، ولا بأي ذنب نؤخذ . وكان إذا دعي إلى وليمة يدخل منزله فيقول : ايتوني بشربة سويق فيشربها ويقول : إني أكره أن أحمل جوعي إلى موائدهم وطعامهم : وكان يدخل السوق نصف النهار فيكبر الله ويسبحه ويذكره ويقول : إنها ساعة غفلة الناس ، وقال : إذا أراد الله بعبد خيرا جعل له واعظا من قلبه يأمره وينهاه . وقال : ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم منه وتكتم خيره . وقال : العزلة عبادة ، وكان إذا ذكر الموت مات منه كل عضو على حدته . وفي رواية كان يتغير لونه وينكر حاله ، حتى كأنه ليس بالذي كان ، وكان إذا سئل عن الرؤيا قال للسائل : اتق الله في اليقظة ولا يغرك ما رأيت في المنام . وقال له رجل : رأيت كأني أصب الزيت في الزيتون ، فقال : فتش على امرأتك فإنها أمك ، ففتش فإذا هي أمه . وذلك أن الرجل أخذ من بلاده صغيرا سبيا ثم