ابن كثير
300
البداية والنهاية
وروى ابن أبي الدنيا عنه في ذم الغيبة له قال : والله للغيبة أسرع في دين المؤمن من الاكلة في جسده . وكان يقول . ابن آدم إنك لن تصيب حقيقة الايمان حتى لا تصيب ( 1 ) الناس بعيب هو فيك ، وحتى تبدأ بصلاح ذلك العيب فتصلحه من نفسك ، فإذا فعلت ذلك كان ذلك شغلك في طاعة نفسك ، وأحب العباد إلى الله من كان هكذا . وقال الحسن : ليس بينك وبين الفاسق حرمة . وقال : ليس لمبتدع غيبة . وقال أصلت بن طريف : قلت للحسن : الرجل الفاجر المعلن بفجوره ، ذكرى له بما فيه غيبة ؟ قال : لا ولا كرامة . وقال : إذا ظهر فجوره فلا غيبة له . وقال : ثلاثة لا تحرم عليك غيبتهم : المجاهر بالفسق ، والامام الجائر ، والمبتدع . وقال له رجل : إن قوما يجالسونك ليجدوا بذلك إلى الوقيعة فيك سبيلا ، فقال : هون عليك يا هذا فإني أطمعت نفسي في الجنان فطمعت ، وأطمعتها في النجاة من النار فطمعت ، وأطمعتها في السلامة من الناس فلم أجد إلى ذلك سبيلا ، فإن الناس لم يرضوا عن خالقهم ورازقهم فكيف يرضون عن مخلوق مثلهم ؟ وقال : كانوا يقولون : من رمى أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتى يصيب ذلك الذنب . وقال الحسن : قال لقمان لابنه : يا بني إياك والكذب فإنه شهي كلحم العصفور عما قليل يقلاه صاحبه . وقال الحسن : اعتبروا الناس بأعمالهم ودعوا أقوالهم فإن الله عز وجل لم يدع قولا إلا جعل عليه دليلا من عمل يصدقه أو يكذبه ، فإن سمعت قولا حسنا فرويدا بصاحبه ، فإن وافق قول عملا فنعم ونعمت عين أخته وأخيه ، وإذا خالف قول عملا فماذا يشبه عليك منه ، أم ماذا يخفى عليك منه ؟ وإياك وإياه لا يخدعنك كما خدع ابن آدم ، إن لك قولا وعملا ، فعملك أحق بك من قولك ، وإن لك سريرة وعلانية ، فسريرتك أحق بك من علانيتك ، وإن لك عاجلة وعاقبة ، فعاقبتك أحق بك من عاجلتك . وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا حمزة بن العباس ، أنبأ عبدان بن عثمان ، أنبأ معمر ، عن يحيى بن المختار ، عن الحسن قال : إذا شبت لقيت الرجل أبيض حديد اللسان ، حديد النظر ، ميت القلب والعمل ، أنت أبصر به من نفسه ، ترى أبدانا ولا قلوبا ، وتسمع الصوت ولا أنيس ، أخصب ألسنة وأجدب قلوبا ، يأكل أحدهم من غير ماله ويبكي على عماله ، فإذا كهضته البطنة قال : يا جارية أو يا غلام ايتني بهاضم ، وهل هضمت يا مسكين إلا دينك ؟ وقال : من رق ثوبه رق دينه ، ومن سمن جسده هزل دينه ، ومن طاب طعامه أنتن كسبه . وقال فيما رواه عنه الآجري : رأس مال المؤمن دين حيث ما زال زال معه ، لا يخلفه في الرحال ، ولا يأتمن عليه الرجال . وقال في قوله تعالى : ( فلا أقسم بالنفس اللوامة ) [ القيامة : 2 ] قال : لا تلقى المؤمن إلا يلوم نفسه ، ما أردت بكلمة كذا ، ما أردت بأكله كذا ، ما أردت بمجلس كذا ، وأما الفاجر فيمضي قدما قدما لا يلوم نفسه . وقال : تصبروا وتشددوا فإنما هي ليال تعد ، وإنما أنتم ركب وقوف يوشك أن يدعى
--> ( 1 ) في صفة الصفوة 3 / 234 : لا تعيب .