ابن كثير
292
البداية والنهاية
فلو كان عدو الله تمنى لقاءها في الدنيا ليعمل بذلك صالحا ويتوب ، والله لا يدخل علي أبدا ، فهل بالباب أحد سوى ذلك ؟ قلت : جرير ، قال أما إنه الذي يقول : طرقتك صائدة القلوب وليس ذا * حين الزيارة فارجعي بسلام فإن كان لا بد فأذن لجرير ، فأذن له فدخل على عمر وهو يقول : إن الذي بعث النبي محمدا * جعل الخلافة للامام العادل وسع الخلائق عدله ووفاؤه * حتى ارعوى وأقام ميل المائل إني لأرجو منك خيرا عاجلا * والنفس مولعة بحب العاجل فقال له : ويحك يا جرير ، اتق الله فيما تقول ، ثم إن جريرا استأذن عمر في الانشاد فلم يأذن له ولم ينهه ، فأنشده قصيدة طويلة يمدحه بها ، فقال له : ويحك يا جرير لا أرى لك فيما ههنا حقا ، فقال : إني مسكين وابن سبيل ، قال : إنا ولينا هذا الامر ونحن لا نملك إلا ثلاثمائة درهم ، أخذت أم عبد الله مائة وابنها مائة وقد بقيت مائة ، فأمر له بها ، فخرج على الشعراء فقالوا : ما وراءك يا جرير ؟ فقال : ما يسؤوكم ، خرجت من عند أمير المؤمنين وهو يعطي الفقراء ويمنع الشعراء وإني عنه لراض ، ثم أنشأ يقول : رأيت رقى الشيطان لا تستفزه * وقد كان شيطاني من الجن راقيا وقال بعضهم فيما حكاه المعافى بن زكريا الجريري قالت جارية للحجاج بن يوسف : إنك تدخل هذا علينا ، فقال : إنه ما علمت عفيفا ، فقالت : أما إنك لو أخليتني وإياه سترى ما يصنع ، فأمر باخلائها مع جرير في مكان يراهما الحجاج ولا يريانه ، ولا يشعر جرير بشئ من ذلك ، فقالت له : يا جرير ، فأطرق رأسه ، وقال ، هأنذا ، فقالت : أنشدني من قولك كذا وكذا - لشعر فيه رقة - فقال : لست أحفظه ولكن أحفظ كذا وكذا - ويعرض عن ذاك وينشدها شعرا في مدح الحجاج - فقالت : لست أريد هذا ، إنما أريد كذا وكذا - فيعرض عن ذاك وينشدها في الحجاج - حتى انقضى المجلس فقال الحجاج : لله درك ، أبيت إلا كرما وتكرما . وقال عكرمة أنشدت أعرابيا بيتا لجرير الخطفي : أبدل الليل لا تجري كواكبه * أو طال حتى حسبت النجم حيرانا فقال الأعرابي : إن هذا حسن في معناه وأعوذ بالله من مثله ، ولكني أنشدك في ضده من قولي : وليل لم يقصره رقاد * وقصره لنا وصل الحبيب نعيم الحب أورق فيه * حتى تناولنا جناه من قريب