ابن كثير
289
البداية والنهاية
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به * وهن أضعف خلق الله أركانا فقال : أحسنت ، فهل تعرف جريرا ؟ قال : لا والله ، وإني إلى رؤيته لمشتاق ، قال : فهذا جرير وهذا الفرزدق وهذا الأخطل ، فأنشأ الأعرابي يقول . - فحيا الإله أبا حرزة * وأرغم أنفك يا أخطل وجد الفرزدق أتعس به * ورق خياشيمه الجندل فأنشأ الفرزدق يقول : يا أرغم الله أنفا أنت حامله * يا ذا الخنا ومقال الزور والخطل ما أنت بالحكم الترضي حكومته * ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل ثم أنشأ الأخطل يقول : - يا شر من حملت ساق على قدم * ما مثل قولك في الأقوام يحتمل إن الحكومة ليست في أبيك ولا * في معشر أنت منهم انهم سفل فقام جرير مغضبا وقال : - أتشتمان سفاها خيركم حسبا ( 1 ) * ففيكما - وإلهي - الزور والخطل شتمتاه على رفعي ووضعكما * لا زلتما في سفال أيها السفل ثم وثب جرير فقبل رأس الأعرابي وقال : يا أمير المؤمنين جائزتي له ، وكانت خمسة آلاف ( 2 ) ، فقال عبد الملك : وله مثلها من مالي ، فقبض الأعرابي ذلك كله وخرج . وحكى يعقوب بن السكيت أن جريرا دخل على عبد الملك مع وفد أهل العراق من جهة الحجاج فأنشده مديحه الذي يقول فيه : ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح فأطلق له مائة ناقة وثمانية من الرعاء أربعة من النوبة وأربعة من السبي الذين قدم بهم من الصغد قال جرير : وبين يدي عبد الملك جامان من فضة قد أهديت له ، وهو لا يعبأ بها شيئا ، فهو يقرعها بقضيب في يده ، فقلت : يا أمير المؤمنين المحلب ، فألقى إلي واحدا من تلك الجامات ، ولما رجع إلى الحجاج أعجبه إكرام أمير المؤمنين له فأطلق الحجاج له خمسين ناقة تحمل طعاما لأهله .
--> ( 1 ) كان الأعرابي من بني عذرة ، وهم أخوال عبد الملك . ( 2 ) في الأغاني 8 / 42 : أربعة آلاف درهم وتوابعها من الحملان والكسوة .