ابن كثير

239

البداية والنهاية

فنادى : ألا من كانت له مظلمة فليرفعها ، فقام إليه رجل ذمي من أهل حمص ( 1 ) فقال : يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله ، قال : ما ذاك ؟ قال : العباس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبني أرضي . والعباس جالس ، فقال له عمر : يا عباس ما تقول ؟ قال : نعم ! أقطعنيها أمير المؤمنين الوليد وكتب لي بها سجلا ، فقال عمر : ما تقول يا ذمي ؟ قال : يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله تعالى . فقال عمر : نعم كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد ، قم فاردد عليه ضيعته ، فردها عليه . ثم تتابع الناس في رفع المظالم إليه . فما رفعت إليه مظلمة إلا ردها ، سواء كانت في يده أو في يد غيره حتى أخذ أموال بني مروان وغيرهم ، مما كان في أيديهم بغير استحقاق ، فاستغاث بنو مروان بكل واحد من أعيان الناس ، فلم يفدهم ذلك شيئا ، فأتوا عمتهم فاطمة بنت مروان - وكانت عمته - فشكوا إليها ما لقوا من عمر ، وأنه قد أخذ أموالهم ويستنقصون عنده ، وأنه لا يرفع بهم رأسا ، وكانت هذه المرأة لا تحجب عن الخلفاء ، ولا ترد لها حاجة ، وكانوا يكرمونها ويعظمونها ، وكذلك كان عمر يفعل معها قبل الخلافة ، وقامت فركبت إليه ، فلما دخلت عليه عظمها وأكرمها ، لأنها أخت أبيه ، وألقى لها وسادة ، وشرع يحادثها ، فرآها غضبى وهي على غير العادة ، فقال لها عمر : يا عمة مالك ؟ فقالت : بنو أخي عبد الملك وأولادهم يهانون في زمانك وولايتك ؟ وتأخذ أموالهم فتعطيها لغيرهم ، ويسبون عندك فلا تنكر ؟ فضحك عمر وعلم أنها متحملة ، وأن عقلها قد كبر ، ثم شرع يحادثها والغضب لا يتحيز عنها ، فلما رأى ذلك أخذ معها في الجد ، فقال : يا عمه ! اعلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم مات وترك الناس على نهر مورود ، فولى ذلك النهر بعده رجل فلم يستنقص منه شيئا حتى مات ، ثم ولى ذلك النهر بعد ذلك الرجل رجل آخر فلم يستنقص منه شيئا حتى مات ، ثم ولى ذلك النهر رجل آخر فكرى منه ساقية ، ثم لم يزل الناس بعده يكرون السواقي حتى تركوه يابسا لا قطرة فيه ، وأيم الله لئن أبقاني الله لأردنه إلى مجراه الأول ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط ، وإذا كان الظلم من الأقارب الذين هم بطانة الوالي ، والوالي لا يزيل ذلك ، فكيف يستطيع أن يزيل ما هو ناء عنه في غيرهم ؟ فقالت : فلا يسبوا عندك ؟ قال : ومن يسبهم ؟ إنما يرفع الرجل مظلمته فآخذ له بها . ذكر ذلك ابن أبي الدنيا وأبو نعيم وغيرهما ، وقد أشار إليه المؤلف إشارة خفية . وقال مسلمة بن عبد الملك : دخلت على عمر في مرضه فإذا عليه قميص وسخ ، فقلت لفاطمة : ألا تغسلوا قميص أمير المؤمنين ؟ فقالت : والله ماله قميص غيره ، وبكى فبكت فاطمة فبكى أهل الدار ، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء ، فلما انجلت عنهم العبرة قالت فاطمة : ما أبكاك

--> ( 1 ) في هامش المطبوعة : " في الأصل من أهل خضر وصححناه من سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي " وانظر صفة الصفوة 2 / 115 .