ابن كثير

229

البداية والنهاية

وقال ميمون بن مهران : خرجت مع عمر إلى القبور فقال لي : يا أبا أيوب ! هذه قبور آبائي بني أمية ، كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذتهم وعيشهم ، أما تراهم صرعى قد خلت بهم المثلاث ، واستحكم فيهم البلاء ؟ ثم بكى حتى غشي عليه ، ثم أفاق فقال : انطلقوا بنا فوالله لا أعلم أحدا أنعم ممن صار إلى هذه القبور ، وقد أمن من عذاب الله ، ينتظر ثواب الله . وقال غيره : خرج عمر بن عبد العزيز في جنازة فلما دفنت قال لأصحابه : قفوا حتى آتي قبور الأحبة : فأتاهم فجعل يبكي ويدعو ، إذ هتف به التراب فقال : يا عمر ألا تسألني ما فعلت في الأحبة ؟ قال قلت : وما فعلت بهم ؟ قال : مزقت الأكفان ، وأكلت اللحوم ، وشدخت المقلتين ، وأكلت الحدقتين ، ونزعت الكفين من الساعدين ، والساعدين من العضدين والعضدين من المنكبين ، والمنكبين من الصلب ، والقدمين من الساقين ، والساقين من الفخذين ، والفخذين من الورك ، والورك من الصلب . فلما أراد أن يذهب قال له : يا عمر أدلك على أكفان لا تبلى ؟ قال : وما هي ؟ قال : تقوى الله والعمل الصالح . وقال مرة لرجل من جلسائه : لقد أرقت الليلة مفكرا ، قال : وفيم يا أمير المؤمنين ؟ قال : في القبر وساكنه ، إنك لو رأيت الميت بعد ثلاث في قبره ، وما صار إليه ، لاستوحشت من قربه بعد طول الانس منك بناحيته ، ولرأيت بيتا تجول فيه الهوام ، وتخترق فيه الديدان ، ويجري فيه الصديد ، مع تغير الريح ، وبلى الأكفان بعد حسن الهيئة وطيب الريح ، ونقاء الثوب ، قال : ثم شهق شهقة خر مغشيا عليه . وقال مقاتل بن حيان : صليت وراء عمر بن عبد العزيز فقرأ ( وقفوهم إنهم مسؤولون ) [ الصافات : 24 ] فجعل يكررها وما يستطيع أن يتجاوزها . وقالت امرأته فاطمة : ما رأيت أحدا أكثر صلاة وصياما منه ، ولا أحد أشد فرقا من ربه منه ، كان يصلي العشاء ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه ، ثم ينتبه فلا يزال يبكي حتى تغلبه عيناه ، قالت : ولقد كان يكون معي في الفراش فيذكر الشئ من أمر الآخرة فينتفض كما ينتفض العصفور في الماء ، ويجلس يبكي ، فأطرح عليه اللحاف رحمة له ، وأنا أقول : يا ليت كان بيننا وبين الخلافة بعد المشرقين ، فوالله ما رأينا سرورا منذ دخلنا فيها . وقال علي بن زيد : ما رأيت رجلين كأن النار لم تخلق إلا لهما مثل الحسن وعمر بن عبد العزيز . وقال بعضهم : رأيته يبكي حتى بكى دما ، قالوا : وكان إذا أوى إلى فراشه قرأ ( إن ربكم الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ) الآية ، ويقرأ ( أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون ) [ الأعراف : 53 ] ونحو هذه الآيات ، وكان يجتمع كل ليلة إليه أصحابه من الفقهاء فلا يذكرون إلا الموت والآخرة ، ثم يبكون حتى كأن بينهم جنازة ، وقال أبو بكر الصولي : كان عمر بن عبد العزيز يتمثل بقول الشاعر : فما تزود مما كان يجمعه * سوى حنوط غداة البين في خرق