ابن كثير

226

البداية والنهاية

وطيبتها وأهدتها إليه ووهبتها منه ، فلما أخلتها به أعرض عنها ، فتعرضت له فصدف عنها ، فقالت له : يا سيدي فأين ما كان يظهر لي من محبتك إياي ؟ فقال : والله إن محبتك لباقية كما هي ، ولكن لا حاجة لي في النساء ، فقد جاءني أمر شغلني عنك وعن غيرك ، ثم سألها عن أصلها ومن أين جلبوها ، فقالت : يا أمير المؤمنين إن أبي أصاب جناية ببلاد المغرب فصادره موسى بن نصير فأخذت في الجناية ، وبعث بي إلى الوليد فوهبني الوليد إلى أخته فاطمة زوجتك ، فأهدتني إليك . فقال عمر : إنا لله وإنا إليه راجعون ، كدنا والله نفتضح ونهلك ، ثم أمر بردها مكرمة إلى بلادها وأهلها . وقالت زوجته فاطمة : دخلت يوما عليه وهو جالس في مصلاه واضعا خده على يده ودموعه تسيل على خديه ، فقلت : مالك ؟ فقال : ويحك يا فاطمة ، قد وليت من أمر هذه الأمة ما وليت ، فتفكرت في الفقير الجائع ، والمريض الضائع ، والعاري المجهود ، واليتيم المكسور ، والأرملة الوحيدة والمظلوم المقهور . والغريب والأسير ، والشيخ الكبير ، وذي العيال الكثير ، والمال القليل ، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد ، فعلمت أن ربي عز وجل سيسألني عنهم يوم القيامة ، وأن خصمي دونهم محمد صلى الله عليه وسلم ، فخشيت أن لا يثبت لي حجة عند خصومته ، فرحمت نفسي فبكيت . وقال ميمون بن مهران : ولاني عمر بن عبد العزيز عمالة ثم قال لي : إذا جاءك كتاب مني على غير الحق فاضرب به الأرض . وكتب إلى بعض عماله : إذا دعتك قدرتك على الناس إلى مظلمة ، فاذكر قدرة الله عليك ونفاد ما تأتي إليهم ، وبقاء ما يأتون إليك . وقال عبد الرحمن بن مهدي : عن جرير بن حازم عن عيسى بن عاصم قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي : إن للاسلام سننا وفرائض وشرائع ، فمن استكملها استكمل الايمان ، ومن لم يستكملها لم يستكمل الايمان ، فإن أعش أبينها لكم لتعملوا بها ، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص . وذكره البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما به . وذكر الصولي : أن عمر كتب إلى بعض عماله : عليك بتقوى الله فإنها هي التي لا يقبل غيرها ولا يرحم إلا أهلها ، ولا يثاب إلا عليها ، وإن الواعظين بها كثير ، والعاملين بها قليل . وقال : من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه وينفعه ، ومن أكثر ذكر الموت اجتزأ من الدنيا باليسير . وقال : من لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه ، ومن عبد الله بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه . وكلمه رجل يوما حتى أغضبه فهم به عمر ثم أمسك نفسه ، ثم قال للرجل : أردت أن يستفزني الشيطان بعزة السلطان فأنال منك ما تناله مني غدا ؟ قم عافاك الله لا حاجة لنا في مقاولتك . وكان يقول : إن أحب الأمور إلى الله القصد في الجد ، والعفو في المقدرة ، والرفق في الولاية ، وما رفق بعبد في الدنيا إلا رفق الله به يوم القيامة . وخرج ابن له وهو صغير يلعب مع الغلمان فشجه صبي منهم ، فاحتملوا الصبي الذي شج ابنه وجاؤوا به إلى عمر ، فسمع الجلبة فخرج إليهم ، فإذا مريئة تقول : إنه ابني وإنه يتيم ، فقال لها عمر : هوني عليك ، ثم قال لها عمر : أله عطاء في الديوان ؟