ابن كثير

195

البداية والنهاية

افتتح بلاد الأندلس ، وهي بلاد ذات مدن وقرى وريف ، فسبى منها ومن غيرها خلقا كثيرا ، وغنم أموالا كثيرة جزيلة ، ومن الذهب والجواهر النفيسة شيئا لا يحصى ولا يعد ، وأما الآلات والمتاع والدواب فشئ لا يدرى ما هو ، وسبى من الغلمان الحسان والنساء الحسان شيئا كثيرا ، حتى قيل إنه لم يسلب أحد مثله من الأعداء ( 1 ) ، وأسلم أهل المغرب على يديه ، وبث فيهم الدين والقرآن ، وكان إذا سار إلى مكان تحمل الأموال معه على العجل لكثرتها وعجز الدواب عنها . وقد كان موسى بن نصير هذا يفتح في بلاد المغرب ، وقتيبة يفتح في بلاد المشرق ، فجزاهما الله خيرا ، فكلاهما فتح من الأقاليم والبلدان شيئا كثيرا ، ولكن موسى بن نصير حظي بأشياء لم يحظ بها قتيبة ، حتى قيل إنه لما فتح الأندلس جاءه رجل فقال له : ابعث معي رجالا حتى أدلك على كنز عظيم ، فبعث معه رجالا فأتى بهم إلى مكان فقال : احفروا ، فحفروا فأفضى بهم الحفر إلى قاعة عظيمة ذات لواوين حسنة ، فوجدوا هناك من اليواقيت والجواهر والزبرجد ما أبهتهم ، وأما الذهب فشئ لا يعبر عنه ، ووجدوا في ذلك الموضع الطنافس ، الطنفسة منها منسوجة بقضبان الذهب ، منظومة باللؤلؤ الغالي المفتخر ، والطنفسة منظومة بالجوهر المثمن ، واليواقيت التي ليس لها نظير في شكلها وحسنها وصفاتها ، ولقد سمع يومئذ مناد ينادي لا يرون شخصه : أيها الناس ، إنه قد فتح عليكم باب من أبواب جهنم فخذوا حذركم . وقيل إنهم وجدوا في هذا الكنز مائدة سليمان بن داود التي كان يأكل عليها . وقد جمع أخباره وما جرى له في حروبه وغزواته رجل من ذريته يقال له أبو معاوية معارك بن مروان بن عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير النصيري . وروى الحافظ ابن عساكر : أن عمر بن عبد العزيز سأل موسى بن نصير حين قدم دمشق أيام الوليد عن أعجب شئ رأيت في البحر ، فقال : انتهينا مرة إلى جزيرة فيها ست عشرة جرة مختومة بخاتم سليمان بن داود عليهما السلام ، قال : فأمرت بأربعة منها فأخرجت ، وأمرت بواحدة منها فنقبت فإذا قد خرج منها شيطان ينفض رأسه ويقول : والذي أكرمك بالنبوة لا أعود بعدها أفسد في الأرض ، قال : ثم إن ذلك الشيطان نظر فقال : إني لا أرى بهاء سليمان وملكه ، فانساخ في الأرض فذهب ، قال : فأمرت بالثلاث البواقي فرددن إلى مكانهن . وقد ذكر السمعاني وغيره عنه أنه سار إلى مدينة النحاس التي بقرب البحر المحيط الأخضر ، في أقصى بلاد المغرب ، وأنهم لما أشرفوا عليها رأوا بريق شرفاتها وحيطانها من مسافة بعيدة ، وأنهم لما أتوها نزلوا عندها ، ثم أرسل رجلا من أصحابه ومعه مائة فارس من الابطال ، وأمره أن يدور حول سورها لينظر هل لها باب أو منفذ إلى داخلها ، فقيل : إنه سار يوما وليلة حول سورها ، ثم رجع إليه فأخبره أنه لم يجد بابا ولا منفذا إلى داخلها ، فأمرهم فجمعوا ما معهم من المتاع بعضه على بعض ،

--> ( 1 ) قال ابن عذارى 1 / 43 : لم يسمع قط بمثل سبايا موسى بن نصير في الاسلام .