ابن كثير
190
البداية والنهاية
وقتل معه أحد عشر رجلا من إخوته وأبناء إخوته ، ولم يبق منهم سوى ضرار بن مسلم ، وكانت أمه الغراء بنت ضرار بن القعقاع بن معبد بن سعد بن زرارة ، فحمته أخواله ، وعمرو بن مسلم كان عامل الجوزجان وقتل قتيبة وعبد الرحمن وعبد الله وعبيد الله وصالح ويسار ( 1 ) ، وهؤلاء أبناء مسلم ، وأربعة من أبنائهم ( 2 ) فقتلهم كلهم وكيع بن سود . وقد كان قتيبة بن مسلم بن عمرو بن حصين بن ربيعة أبو حفص الباهلي ، من سادات الامراء وخيارهم ، وكان من القادة النجباء الكبراء ، والشجعان وذوي الحروف والفتوحات السعيدة ، والآراء الحميدة ، وقد هدى الله على يديه خلقا لا يحصيهم إلا الله ، فأسلموا ودانوا لله عز وجل ، وفتح من البلاد والأقاليم الكبار والمدن العظام شيئا كثيرا كما تقدم ذلك مفصلا مبينا ، والله سبحانه لا يضيع سعيه ولا يخيب تعبه وجهاده . ولكن زل زلة كان فيها حتفه ، وفعل فعلة رغم فيها أنفه ، وخلع الطاعة فبادرت المنية إليه ، وفارق الجماعة فمات ميتة جاهلية ، لكن سبق له من الأعمال الصالحة ما قد يكفر الله به سيئاته ، ويضاعف به حسناته ، والله يسامحه ويعفو عنه ، ويتقبل منه ما كان يكابده من مناجزة الأعداء ، وكانت وفاته بفرغاته من أقصى بلاد خراسان ، في ذي الحجة من هذه السنة ، وله من العمر ثمان وأربعون سنة ، وكان أبوه أبو صالح مسلم فيمن قتل مع مصعب بن الزبير ، وكانت ولايته على خراسان عشر سنين ، واستفاد وأفاد فيها خيرا كثيرا ، وقد رثاه عبد الرحمن بن جمانة الباهلي فقال : - كأن أبا حفص قتيبة لم يسر * بجيش إلى جيش ولم يعمل منبرا ولم تخفق الرايات والقوم حوله * وقوف ولم يشهد له الناس عسكرا دعته المنايا فاستجاب لربه * وراح إلى الجنات عفا مطهرا فما رزئ الاسلام بعد محمد * بمثل أبي حفص فبكيه عبهرا ولقد بالغ هذا الشاعر في بيته الأخير . وعبهر ( 3 ) ولد له . وقال الطرماح في هذه الوقعة التي قتل فيها على يد وكيع بن سود : لولا فوارس مذحج ابنة مذحج * والأزد زعزع واستبيح العسكر وتقطعت بهم البلاد ولم يؤب * منهم إلى أهل العراق مخبر واستضلعت عقد الجماعة وازدرى * أمر الخليفة واستحل المنكر
--> ( 1 ) زيد في الطبري وابن الأثير وابن الأعثم : عبد الكريم وحصين . وزاد ابن الأعثم : وزياد . ( 2 ) ذكر الطبري 8 / 109 : كثير بن قتيبة ومغلس بن عبد الرحمن بن مسلم وإياس بن عمرو . ( 3 ) عبهر : أم ولد لقتيبة بن مسلم . ( الطبري 8 / 112 وابن الأثير 5 / 20 ) .