ابن كثير
19
البداية والنهاية
سار من طريق أخرى حتى واجه الكوفة وهو يريد أن يحاصرها ، فخرج الجيش بكماله إلى السبخة لقتاله ( 1 ) ، وبلغه ذلك فلم يبال بهم بل انزعج الناس له وخاف منه وفرقوا منه ، وهم الجيش أن يدخل الكوفة خوفا منه ويتحصنوا بها منه ، حتى قيل لهم إن سويد بن عبد الرحمن في آثارهم ( 2 ) وقد اقترب منهم ، وشبيب نازل بالمدائن بالدير ليس عنده حبر منهم ولا خوف ، وقد أمر بطعام وشواء أن يصنع له فقيل له : قد جاءك الجند فأدرك نفسك ، فجعل لا يلتفت إلى ذلك ولا يكترث بهم ويقول للدهقان الذي يصنع له الطعام : أجده وأنضجه وعجل به ، فلما استوى أكله ثم توضأ وضوءا تاما ثم صلى بأصحابه صلاة تامة بتطويل وطمأنينة ، ثم لبس درعه وتقلد سيفين وأخذ عمود حديد ثم قال : أسرجوا لي البغلة ، فركبها فقال له أخوه مصاد : اركب فرسا ، فقال : لا ! حارس كل أمر أجله ، فركبها ثم فتح باب الدير الذي هو فيه وهو يقول : أنا أبو المدله لا حكم إلا لله ، وتقدم إلى أمير الجيش الذي يليه بالعمود الحديد فقتله ، وهو سعيد بن المجالد ، وحمل على الجيش الآخر الكثيف فصرع أميره وهرب الناس من بين يديه ولجأوا إلى الكوفة ، ومضى شبيب إلى الكوفة من أسفل الفرات ، وقتل جماعة هناك ، وخرج الحجاج من الكوفة هاربا إلى البصرة ، واستخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة ، ثم اقترب شبيب من الكوفة يريد دخولها ، فأعلم الدهاقين عروة بن المغيرة بذلك فكتب إلى الحجاج يعلمه بذلك فأسرع الحجاج الخروج من البصرة وقصد الكوفة فأسرع السير ، وبادره شبيب إلى الكوفة فسبقه الحجاج إليها فدخلها العصر ، ووصل شبيب إلى المربد عند الغروب ، فلما كان آخر الليل دخل شبيب الكوفة وقصد قصر الامارة فضرب بابه بعموده الحديد فأثرت ضربته في الباب ، فكانت تعرف بعد ذلك ، يقال هذه ضربة شبيب ، وسلك في طرق المدينة وتقصد محال القتال ، وقتل رجالا من رؤساء أهل الكوفة وأشرافهم ، منهم أبو سليم والد ليث بن أبي سليم ، وعدي بن عمرو ، وأزهر بن عبد الله العامري ، في طائفة كثيرة من أهل الكوفة ، وكان مع شبيب امرأته غزالة ( 3 ) ، وكانت معروفة بالشجاعة ، فدخلت مسجد الكوفة وجلست على منبره وجعلت تذم بني مروان . ونادى الحجاج في الناس : يا خيل الله اركبي ، فخرج شبيب من الكوفة إلى مجال الطعن والضرب ، فجهز الحجاج في أثره ستة آلاف مقاتل ، فساروا وراءه وهو بين أيديهم ينعس ويهز رأسه ، وفي أوقات كثيرة يكر عليهم فيقتل منهم جماعة ، حتى قتل من جيش الحجاج خلقا كثيرا ،
--> ( 1 ) في ابن الأعثم 7 / 86 خرج الحجاج من الكوفة في عسكر لجب حتى نزل بموضع يقال له السبخة . وبلغ ذلك شبيبا فسار إليه في جيشه ذلك ولم يشعر الحجاج إلا وخيل شبيب قد وافته . ( 2 ) كان الحجاج قد بعث سويد بن عبد الرحمن السعدي في ألفي رجل ( الطبري - ابن الأثير ) . ( 3 ) في الفتوح 7 / 87 ثم ركب شبيب وركب معه أصحابه وأقبل نحو الكوفة ومعه أمه ومعه امرأته : غزالة من سبي أصفهان ، فأقبلت ومعها خمسون امرأة من نساء الخوارج .