ابن كثير
162
البداية والنهاية
فنظر إليهم ملك الصين فرأى أمثال الجبال مقبلة ، فلما قربوا منه ركزوا رماحهم ثم أقبلوا نحوه مشمرين ، فقيل لهم : ارجعوا - وذلك لما دخل قلوب أهل الصين من الخوف منهم - فانصرفوا فركبوا خيولهم واختلجوا رماحهم ثم ساقوا خيولهم كأنهم يتطاردون بها ، فقال الملك لأصحابه : كيف ترونهم ؟ فقالوا : ما رأينا كهؤلاء قط . فلما أمسوا بعث إليهم الملك أن ابعثوا إلي زعيمكم وأفضلكم ، فبعثوا إليه هبيرة ، فقال له الملك حين دخل عليه : قد رأيتم عظم ملكي ، وليس أحد يمنعكم مني ، وأنتم بمنزلة البيضة في كفي ، وأنا سائلك عن أمر فإن تصدقني وإلا قتلتك ، فقال : سل ! فقال الملك : لم صنعتم ما صنعتم من زي أول يوم والثاني والثالث ؟ فقال : أما زينا أول يوم فهو لباسنا في أهلنا ونسائنا وطيبنا عندهم ، وأما ما فعلنا ثاني يوم فهو زينا إذا دخلنا على ملوكنا ، وأما زينا ثالث يوم فهو إذا لقينا عدونا . فقال الملك : ما أحسن ما دبرتم دهركم ، فانصرفوا إلى صاحبكم - يعني قتيبة - وقولوا له ينصرف راجعا عن بلادي ، فإني قد عرفت حرصه وقلة أصحابه ، وإلا بعثت إليكم من يهلككم عن آخركم . فقال له هبيرة : تقول لقتيبة هذا ؟ ! فكيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون ؟ وكيف يكون حريصا من خلف الدنيا قادرا عليها ، وغزاك في بلادك ؟ وأما تخويفك إيانا بالقتل فإنا نعلم أن لنا أجلا إذا حضر فأكرمها عندنا القتل ، فلسنا نكرهه ولا نخافه . فقال الملك : فما الذي يرضي صاحبكم ؟ فقال : قد حلف أنه لا ينصرف حتى يطأ أرضك ويختم ملوكك ويجبي الجزية من بلادك ، فقال أنا أبر يمينه وأخرجه منها ، أرسل إليه بتراب من أرضي ، وأربع غلمان من أبناء الملوك ، وأرسل إليه ذهبا كثيرا وحريرا وثيابا صينية لا تقوم ولا يدرى قدرها ، ثم جرت لهم معه مقاولات كثيرة ، ثم اتفق الحال على أن بعث صحافا من ذهب متسعة فيها تراب من أرضه ليطأه قتيبة ، وبعث بجماعة من أولاده وأولاد الملوك ليختم رقابهم ، وبعث بمال جزيل ليبر بيمين قتيبة ، وقيل إنه بعث أربعمائة من أولاده وأولاد الملوك ، فلما انتهى إلى قتيبة ما أرسله ملك الصين قبل ذلك منه ، وذلك لأنه كان قد انتهى إليه خبر موت الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين ( 1 ) ، فانكسرت همته لذلك ، وقد عزم قتيبة بن مسلم الباهلي على ترك مبايعة سليمان بن عبد الملك ، وأراد الدعوة إلى نفسه لما تحت يده من العساكر ، ولما فتح من البلاد والأقاليم فلم يمكنه ذلك ، ثم قتل في آخر هذه السنة رحمه الله تعالى ، فإنه يقال إنه ما كسرت له راية ، وكان من المجاهدين في سبيل الله ، واجتمع له من العساكر ما لم يجتمع لغيره . وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك الصائفة ، وغزا العباس بن الوليد الروم ، ففتح طولس والمرز بانين من بلاد الروم .
--> ( 1 ) في الطبري وابن الأثير أن قتيبة قبل من ملك الصين ما أرسله إليه وأوفد إلى الوليد هبيرة يعلمه الخبر ، فمات هبيرة وهو في طريقه بقرية من فارس وهذا يعني أن قتيبة لم يكن على علم بموت الوليد ، أو لعل الوليد مات بعد ذلك بقليل ( الطبري 8 / 101 - الكامل 5 / 7 ) .