ابن كثير
16
البداية والنهاية
بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإنكار ما قد شاع في الناس وذاع ، ويهون عليهم القتل في طلب ذلك ، ويذم الدنيا ذما بالغا ، ويصغر أمرها ويحقره ، فالتفت عليه جماعة من الناس ، وكتب إليه شبيب بن يزيد الخارجي يستبطئه في الخروج ويحثه عليه ويندب إليه ، ثم قدم شبيب على صالح وهو بدارا فتواعدوا وتوافقوا على الخروج في مستهل صفر من هذه السنة الآتية - وهي سنة ست وسبعين - وقدم على صالح شبيب وأخوه مصاد والمجلل والفضل بن عامر ، فاجتمع عليه من الابطال وهو بدارا نحو مائة وعشرة أنفس ، ثم وثبوا على خيل لمحمد بن مروان فأخذوها ونفروا بها ثم كان من أمرهم بعد ذلك ما كان ، كما سنذكره في هذه السنة التي بعدها إن شاء الله تعالى . وكان ممن توفي فيها في قول أبي مسهر وأبي عبيد : العرباض بن سارية رضي الله عنه السلمي أبو نجيح سكن حمص وهو صحابي جليل ، أسلم قديما هو عمرو بن عنبسة ونزل الصفة ، وكان من البكائين المذكورين في سورة براءة كما قد ذكرنا أسماءهم عند قوله ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ) [ التوبة : 92 ] الآية . وكانوا تسعة ( 1 ) وهو راوي حديث ( خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون ) الحديث إلى آخره . ورواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وغيره ، وروى أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يصلي على الصف المقدم ثلاثا وعلى الثاني واحدة ) وقد كان العرباض شيخا كبيرا ، وكان يحب أن يقبضه الله إليه ، وكان يدعو : اللهم كبرت سني ووهن عظمي فاقبضني إليك ، وروى أحاديث . أبو ثعلبة الخشني صحابي جليل شهد بيعة الرضوان وغزا حنينا وكان ممن نزل الشام بداريا غربي دمشق إلى جهة القبلة ، وقيل ببلاط قرية شرقي دمشق فالله أعلم . وقد اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال كثيرة ، والأشهر منها جرثوم بن ناشر ، وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث وعن جماعة من الصحابة ، وعنه جماعة من التابعين ، منهم سعيد بن المسيب ومكحول الشامي وأبو إدريس الخولاني ، وأبو قلابة الجرمي ، وكان ممن يجالس كعب الأحبار ، وكان في كل ليلة يخرج فينظر إلى السماء فيتفكر ثم يرجع إلى المنزل فيسجد لله عز وجل ، وكان يقول : إني لأرجو أن لا يخنقني الله عند الموت كما أراكم تختنقون ، فبينما هو ليلة يصلي من الليل إذا قبضت روحه وهو ساجد . ورأت ابنته في
--> ( 1 ) قالوا : نزلت في عرباض بن سارية ، وقيل نزلت في عائذ بن عمرو ، وقيل نزلت في بني مقرن وكانوا سبعة أخوة وعلى هذا جمهور المفسرين ( تفسير القرطبي 8 / 228 ) . وقال ابن عبد البر في كتاب الدرر : نزلت في سبعة نفر من بطون شتى وهم البكاؤون أتوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في غزوة تبوك ليحملهم فلم يجد ما يحملهم عليه . . . فمسوا البكائين وهم : سالم بن عمير من بني عمرو بن عوف ، وعلبة بن زيد أخو حارثة ، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب من بني مازن بن النجار ، وعمرو بن الحمام ، وعبد الله بن مغفل المزني ، وهرمي بن عبد الله أخو بني واقف ، وعرياض بن سارية الفزاري .