ابن كثير
153
البداية والنهاية
النجود أنه قال : ما بقيت لله عز وجل حرمة إلا وقد ارتكبها الحجاج . وقد تقدم الحديث " إن في ثقيف كذابا ومبيرا " وكان المختار هو الكذاب المذكور في هذا الحديث ، وقد كان يظهر الرفض أولا ويبطن الكفر المحض ، وأما المبير فهو الحجاج بن يوسف هذا ، وقد كان ناصبيا يبغض عليا وشيعته في هوى آل مروان بني أمية ، وكان جبارا عنيدا ، مقداما على سفك الدماء بأدنى شبهة . وقد روي عنه ألفاظ بشعة شنيعة ظاهرها الكفر كما قدمنا . فإن كان قد تاب منها وأقلع عنها ، وإلا فهو باق في عهدتها ، ولكن قد يخشى أنها رويت عنه بنوع من زيادة عليه ، فإن الشيعة كانوا يبغضونه جدا لوجوه ، وربما حرفوا عليه بعض الكلم . وزادوا فيما يحكونه عنه بشاعات وشناعات . وقد روينا عنه أنه كان يتدين بترك المسكر ، وكان يكثر تلاوة القرآن ، ويتجنب المحارم ، ولم يشتهر عنه شئ من التلطخ بالفروج ، وإن كان متسرعا في سفك الدماء فالله تعالى أعلم بالصواب وحقائق الأمور وساترها ، وخفيات الصدور وضمائرها : قلت : الحجاج أعظم ما نقم عليه وصح من أفعاله سفك الدماء ، وكفى به عقوبة عند الله عز وجل ، وقد كان حريصا على الجهاد وفتح البلاد ، وكان فيه سماحة بإعطاء المال لأهل القرآن ، فكان يعطي على القرآن كثيرا ، ولما مات لم يترك فيما قيل إلا ثلاثمائة درهم . والله أعلم . وقال المعافى بن زكريا الجريري المعروف بابن طرار البغدادي : ثنا محمد بن القاسم الأنباري ، ثنا أبي ، ثنا أحمد بن عبيد ، ثنا هشام أبو محمد بن السائب الكلبي ، ثنا عوانة بن الحكم الكلبي . قال : دخل أنس بن مالك على الحجاج بن يوسف فلما وقف بين يديه قال له إيه إيه يا أنيس ، يوم لك مع علي ، ويوم لك مع ابن الزبير ، ويوم لك مع ابن الأشعث ، والله لأستأصلنك كما تستأصل الشاة . ولأدمغنك كما تدمغ الصمغة ( 1 ) . فقال أنس : إياي يعني الأمير أصلحه الله ؟ قال : إياك أعني صك الله سمعك . قال أنس : إنا لله وإنا إليه راجعون ، والله لولا الصبية الصغار ما باليت أي قتلة قتلت . ولا أي ميتة مت ، ثم خرج من عند الحجاج فكتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره بما قال له الحجاج ، فلما قرأ عبد الملك كتاب أنس استشاط غضبا ، وشفق عجبا ، وتعاظم ذلك من الحجاج ، وكان كتاب أنس إلى عبد الملك : بسم الله الرحمن الرحيم إلى عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من أنس بن مالك ، أما بعد : فان الحجاج قال لي هجرا ، وأسمعني نكرا ، ولم أكن لذلك أهلا ، فخذ لي على يديه ، فإني أمت بخدمتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتي إياه ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . فبعث عبد الملك إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر - وكان مصادقا للحجاج فقال له : دونك كتابي هذين فخذهما
--> ( 1 ) في الاخبار الطوال ص 323 : يوما مع المختار ، ويوما مع ابن الأشعث ، جوال الفتن ، والله لقد هممت أن أطحنك طحن الرحى بالثفال ، وأجعلك غرضا للنبال .