ابن كثير
125
البداية والنهاية
أيضا : إني لأستحي من الله عز وجل أن أرى الأخ من إخواني فأسأل الله له الجنة وأبخل عليه بالدنيا ، فإذا كان يوم القيامة قيل لي فإذا كانت الجنة بيدك كنت بها أبخل ، وأبخل وأبخل . وذكروا أنه كان كثير البكاء فقيل له في ذلك فقال : إن يعقوب عليه السلام بكى حتى ابيضت عيناه على يوسف ، ولم يعلم أنه مات ، وإني رأيت بضعة عشر من أهل بيتي يذبحون في غداة واحدة ، فترون حزنهم يذهب من قلبي أبدا ؟ وقال عبد الرزاق : سكبت جارية لعلي بن الحسين عليه ماء ليتوضأ فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجه ، فرفع رأسه إليها فقالت الجارية : إن الله يقول ( والكاظمين الغيظ ) [ آل عمران : 134 ] ، فقال : وقد كظمت غيظي ، قالت ( والعافين عن الناس ) فقال : عفا الله عنك . فقالت ( والله يحب المحسنين ) قال : أنت حرة لوجه الله تعالى . وقال الزبير بن بكار : ثنا عبد الله بن إبراهيم بن قدامة اللخمي ، عن أبيه ، عن جده ، عن محمد بن علي عن أبيه قال : جلس قوم من أهل العراق فذكروا أبا بكر وعمر فنالوا منهما ، ثم ابتدأوا في عثمان فقال لهم : أخبروني أأنتم من المهاجرين الأولين الذين ( أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله ) [ الحشر : 8 ] ؟ قالوا : لا قال : فأنتم من الذين ( تبوأ والدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ) [ الحشر : 9 ] ؟ قالوا : لا ! فقال لهم : أما أنتم فقد أقررتم وشهدتم على أنفسكم أنكم لستم من هؤلاء ولا من هؤلاء ، وأنا أشهد أنكم لستم من الفرقة الثالثة الذين قال الله عز وجل فيهم ( والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ) [ الحشر : 10 ] الآية ، فقوموا عني لا بارك الله فيكم ، ولا قرب دوركم ، أنتم مستهزئون بالاسلام ، ولستم من أهله . وجاء رجل فسأله متى يبعث علي ؟ فقال : يبعث والله يوم القيامة وتهمه نفسه . وقال ابن أبي الدنيا : حدثت عن سعيد بن سليمان ، عن علي بن هاشم ، عن أبي حمزة الثمالي : أن علي بن الحسين كان إذا خرج من بيته قال : اللهم إني أتصدق اليوم - أو أهب عرضي اليوم - من استحله . وروى ابن أبي الدنيا أن غلاما سقط من يده سفود وهو يشوي شيئا في التنور على رأس صبي لعلي بن الحسين فقتله ، فنهض علي بن الحسين مسرعا ، فلما نظر إليه قال للغلام : إنك لم تتعمد ، أنت حر ، ثم شرع في جهاز ابنه . وقال المدائني : سمعت سفيان يقول : كان علي بن الحسين يقول : ما يسرني أن لي بنصيبي من الذل حمر النعم : ورواه الزبير بن بكار من غير وجه عنه . ومات لرجل ولد مسرف على نفسه فجزع عليه من أجل إسرافه ، فقال له علي بن الحسين : إن من وراء ابنك خلالا ثلاثا ، شهادة أن لا إله إلا الله ، وشفاعة رسول الله ، ورحمة الله عز وجل . وقال المدائني : قارف الزهري ذنبا فاستوحش منه وهام على وجهه وترك أهله وماله . فلما اجتمع بعلي بن الحسين قال له : يا زهري قنوطك من رحمة الله التي وسعت كل شئ أعظم من ذنبك ، فقال الزهري : ( الله أعلم حيث يجعل رسالاته ) [ الانعام : 124 ] وفي رواية أنه كان أصاب دما حراما خطأ فأمره علي بالتوبة والاستغفار