ابن كثير

106

البداية والنهاية

أجتنيها ( 1 ) . وقد استعمله أبو بكر ثم عمر على عمالة البحرين وشكراه في ذلك ، وقد انتقل بعد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فسكن البصرة ، وكان له بها أربع دور ، وقد ناله أذى من جهة الحجاج ، وذلك في فتنة ابن الأشعث ، توهم الحجاج منه أنه له مداخلة في الامر ، وأنه أفتى فيه ، فختمه الحجاج في عنقه ، هذا عنق الحجاج ، وقد شكاه أنس كما قدمنا إلى عبد الملك ، فكتب إلى الحجاج يعنفه ، ففزع الحجاج من ذلك وصالح أنسا . وقد وفد أنس على الوليد بن عبد الملك في أيام ولايته ، قيل في سنة ثنتين وتسعين ، وهو يبني جامع دمشق ، قال مكحول : رأيت أنسا يمشي في مسجد دمشق فقمت إليه فسألته عن الوضوء من الجنازة فقال : لا وضوء . وقال الأوزاعي : حدثني إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر قال : قدم أنس على الوليد فقال له الوليد : ماذا سمعت من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يذكر به الساعة ؟ فقال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : " أنتم والساعة كهاتين " . ورواه عبد الرزاق بن عمر عن إسماعيل قال : قدم أنس على الوليد في سنة ثنتين وتسعين فذكره . وقال الزهري : دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت : ما يبكيك ؟ قال : لا أعرف مما كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأصحابه إلا هذه الصلاة ، وقد صنعتم فيها ما صنعتم . وفي رواية وهذه الصلاة قد ضيعت - يعني ما كان يفعله خلفاء بني أمية من تأخير الصلاة إلى آخر وقتها الموسع - كانوا يواظبون على التأخير إلا عمر بن عبد العزيز أيام خلافته كما سيأتي ، وقال عبد بن حميد ، عن عبد الرزاق ، عن جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أنس . قال : جاءت بي أمي إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأنا غلام فقالت : يا رسول الله خويدمك أنيس فادع الله له . فقال ، " اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة " . قال : فقد رأيت اثنتين وأنا أرجو الثالثة ، وفي رواية قال أنس : فوالله إن مالي لكثير حتى نخلي وكرمي ليثمر في السنة مرتين ، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة ، وفي رواية وإن ولدي لصلبي مائة وستة . ولهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ منتشرة جدا ، وفي رواية قال أنس : وأخبرتني بنتي آمنة أنه دفن لصلبي إلى حين مقدم الحجاج عشرون ومائة . وقد تقصى ذلك بطرقه وأسانيده وأورد ألفاظه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أنس ، وقد أوردنا طرفا من ذلك في كتاب دلائل النبوة في أواخر السيرة ولله الحمد . وقال ثابت لانس : هل مست يدك كف رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ قال : نعم ! قال فأعطنيها أقبلها ، وقال محمد بن سعد عن مسلم بن إبراهيم عن المثنى بن سعيد الذراع ( 2 ) قال : سمعت أنس بن مالك يقول : ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ثم يبكي . وقال محمد بن سعد عن أبي نعيم ( 3 ) عن يونس بن أبي إسحاق عن المنهال بن عمرو

--> ( 1 ) قال في النهاية : أي كناه أبا حمزة . وقال الأزهري : البقلة التي جناها أنس كان في طعمها لذع فسميت حمزة ، والحمزة التي في طعمها حموضة . وفي القاموس : الحمزة الأسد وبقلة . ( 2 ) في ابن سعد 7 / 22 : الذارع . ( 3 ) في ابن سعد 1 / 482 : الفضل بن دكين ، والمعروف بأبي نعيم الملائي وهو من كبار شيوخ البخاري .