ابن كثير
103
البداية والنهاية
باهلي قد ألبس التاج حتى * شاب منه مفارق كن سودا دوخ الصغد بالكتائب حتى * ترك الصغد بالعراء قعودا فوليد يبكي لفقد أبيه * وأب موجع يبكي الوليدا كلما حل بلدة أو أتاها * تركت خيله بها أخدودا وفي هذه السنة عزل موسى بن نصير نائب بلاد المغرب مولاه طارقا عن الأندلس ، وكان قد بعثه إلى مدينة طليطلة ففتحها فوجد فيها مائدة سليمان بن داود عليهما السلام ، وفيها من الذهب والجواهر شئ كثير جدا ، فبعثوا بها إلى الوليد بن عبد الملك ، فما وصلت إليه حتى مات وتولى أخوه سليمان بن عبد الملك ، فوصلت مائدة سليمان عليه السلام إلى سليمان على ما سيأتي بيانه في موضعه ، وكان فيها ما يبهر العقول ، لم ير منظر أحسن منها . واستعمل موسى بن نصير مكان مولاه ولده عبد العزيز بن موسى بن نصير . وفيها بعث موسى بن نصير العساكر وبثها في بلاد المغرب ، فافتتحوا مدنا كثيرة من جزيرة الأندلس منها قرطبة وطنجة ، ثم سار موسى بنفسه إلى غرب الأندلس فافتتح مدينة باجة والمدينة البيضاء وغيرهما من المدن الكبار والأقاليم ، ومن القرى والرساتيق شئ كثير ، وكان لا يأتي مدينة فيبرح عنها حتى يفتحها أو ينزلوا على حكمه ، وجهز البعوث والسرايا غربا وشرقا وشمالا ، فجعلوا يفتتحون المغرب بلدا بلدا ، وإقليما إقليما ، ويغنمون الأموال ويسبون الذراري والنساء ، ورجع موسى بن نصير بغنائم وأموال وتحف لا تحصى ولا تعد كثرة . وفيها قحط أهل إفريقية وأجدبوا جدبا شديدا ، فخرج بهم موسى بن نصير يستسقي بهم ، فما زال يدعو حتى انتصف النهار ، فلما أراد أن ينزل عن المنبر قيل له : ألا تدعو لأمير المؤمنين ؟ قال : ليس هذا الموضع موضع ذاك ، فلما قال هذه المقالة أرسل الله عليهم الغيث فأمطروا مطرا غزيرا وحسن حالهم ، وأخصبت بلادهم . وفيها ضرب عمر بن عبد العزيز خبيب بن عبد الله بن الزبير خمسين سوطا بأمر الوليد له في ذلك ، وصب فوق رأسه قربة من ماء بارد ، في يوم شتاء بارد ، وأقامه على باب المسجد يوم ذلك فمات رحمه الله . وكان عمر بن عبد العزيز بعد موت خبيب شديد الخوف لا يأمن ، وكان إذا بشر بشئ من أمر الآخرة يقول : وكيف وخبيب لي بالطريق ؟ وفي رواية يقول هذا إذا لم يكن خبيب في الطريق ، ثم يصيح صياح المرأة الثكلى ، وكان إذا أثنى عليه يقول : خبيب وما خبيب إن نجوت منه فأنا بخير . وما زال على المدينة إلى أن ضرب خبيبا فمات فاستقال وركبه الحزن والخوف من حينئذ ، وأخذ في الاجتهاد في العبادة والبكاء ، وكانت تلك هفوة منه وزلة ، ولكن حصل له بسببها خير كثير ، من عبادة وبكاء وحزن وخوف وإحسان وعدل وصدقة وبر وعتق وغير ذلك .