الفيض الكاشاني
371
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
وقيل : اتّقوا السّحارة فإنّها تسحر قلوب العلماء - يعني الدّنيا - . وقال وهب : في بعض الكتب : الدّنيا غنيمة الأكياس وغفلة الجهّال لم يعرفوها حتّى خرجوا منها فسألوا الرّجعة فلم يرجعوا . وقال لقمان لابنه : يا بنيّ إنّك استدبرت الدّنيا من يوم نزلتها واستقبلت الآخرة ، فأنت إلى دار تقرب منها أقرب من دار تباعد عنها . وقال بعضهم : عجبا لمن يعرف أنّ الموت حقّ كيف يفرح ، وعجبا لمن يعلم أنّ النّار حقّ كيف يضحك ، وعجبا لمن يرى تقلَّب الدّنيا بأهلها كيف يطمئنّ إليها وعجبا لمن يعلم أنّ القدر حقّ كيف ينصب ؟ . وقدم على معاوية رجل من نجران عمره مائتا سنة فسأله عن الدّنيا كيف وجدها ؟ فقال : سنيات بلاء ، وسنيات رخاء ، يوم بيوم وليلة بليلة ، يولد ولد ويهلك هالك فلولا المولود لباد الخلق ، ولولا الهالك ضاقت الدّنيا بمن فيها ، فقال له معاوية : سل ما شئت قال : عمر مضى فتردّه أو أجل حضر فتدفعه ، قال : لا أملك ذلك ، قال : لا حاجة لي إليك . وقال بشر : من سأل اللَّه الدّنيا فإنّما سأله طول الوقوف بين يديه . وقال أبو حازم : ما في الدّنيا شيء يسرّك إلا وقد ألزق اللَّه به شيئا يسوءك . وقال آخر : لا تخرج نفس ابن آدم من الدّنيا إلا بحسرات ثلاث : إنّه لم يشبع ممّا جمع ، ولم يدرك ما أمل ، ولم يحسن الزّاد لما يقدم عليه . وقيل لبعض العبّاد : قد نلت الغنى ، فقال : إنّما نال الغنى من عتق من رقّ الدّنيا . وقال أبو حازم : اشتدّت مئونة الدّنيا والآخرة ، فأمّا مئونة الآخرة فإنّك لا تجد عليها أعوانا ، وأمّا مئونة الدّنيا فإنّك لا تضرب بيدك إلى شيء منها إلا وجدت فاجرا قد سبقك إليه . وقيل لحكيم : الدّنيا لمن هي ؟ قال : لمن تركها ، فقيل له : والآخرة لمن هي ؟ قال : لمن طلبها .