الفيض الكاشاني
360
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
ولضحكتم قليلا ولهانت عليكم الدّنيا ولآثرتم الآخرة » ( 1 ) ثمّ قال أبو الدّرداء من قبل نفسه : لو تعلمون ما أعلم لخرجتم إلى الصعداء ولبكيتم على أنفسكم وتركتم أموالكم بلا حارس لها ولا راجع إليها إلا ما لابدّ لكم منه ولكن يغيب عن قلوبكم ذكر الآخرة وحضرها الأمل فصارت الدّنيا أملك بأعمالكم وصرتم كالَّذين لا يعلمون ، فبعضكم شرّ من البهائم الَّتي لا تدع هواها مخافة ممّا في عاقبته ما لكم لا تتحابّون ولا تتناصحون وأنتم إخوان على دين اللَّه ما فرّق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم ولو اجتمعتم على البرّ لتحاببتم مالك تناصحون في أمر الدّنيا ولا تناصحون في أمر الدّين ولا يملك أحدكم النصيحة لمن يحبّه ويعينه على أمر آخرته ما هذا إلا من قلَّة الإيمان في قلوبكم ، لو كنتم توقنون بخير الآخرة وشرّها كما توقنون بالدّنيا لآثرتم طلب الآخرة لأنّها أملك بأموركم فإن قلتم : حبّ العاجلة غالب فإنّا نراكم تدعون العاجلة من الدّنيا للآجل منها تكدّون أنفسكم بالمشقّة والاحتراق في طلب أمر لعلَّكم لا تدركونه ، فبئس القوم أنتم ما حقّقتم أيمانكم بما يعرف به الإيمان البالغ فيكم فإن كنتم في شكّ ممّا جاءكم به محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فائتونا فلنبين لكم ولنريكم من النور ما تطمئنّ إليه قلوبكم واللَّه ما أنتم بالمنقوصة قلوبكم فنعذركم أنّكم تستبينون صواب الرأي في دنياكم وتأخذون بالحزم في أموركم مالكم تفرحون باليسير من الدّنيا تصيبونه وتحزنون على اليسير منها يفوتكم حتّى يتبيّن ذلك في وجوهكم ويظهر على ألسنتكم وتسمّونها المصائب وتقيمون عليها المآتم وعامّتكم قد تركوا كثيرا من دينهم ، ثمّ لا يتبيّن ذلك في وجوههم ولا يتغيّر حالتكم ، إنّي لأرى اللَّه قد تبرّأ منكم ، يلقى بعضكم بعضا بالسرور وكلَّكم يكره أن يستقبل صاحبه بما يكره مخافة أن يستقبله صاحبه بمثله ، فأصبحتم على الغلّ ونبتت مراعيكم على الدّمن وتصافيتم على رفض الأجل ، ولوددت أنّ اللَّه تعالى أراحني منكم فألحقني بمن أحبّ رؤيته ولو كان حيّا لم يصابركم ، فإن كان
--> ( 1 ) أخرج صدره مسلم والبخاري ج 8 ص 127 من حديث أبي هريرة وأخرجه الترمذي ج 9 ص 194 وابن ماجة تحت رقم 4190 باختلاف في اللفظ من حديث أبي ذر .